⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فنحن إذا نظرنا إلى الماضي وقسناه بالحاضر وجدنا فرقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا من حيث الهمة العالية التي كانت في السابقين من أجل التنافس في هذا الميدان والسباق فيه، والحرص على كسب الأجور من خلال هذا العمل المبرور الذي يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى.
فلا ريب أن الناس كانوا فيما سبق في حالة صعب من حيث ضنك العيش؛ فقد كانوا يعانون الأمرّين بسبب قلة الموارد وبسبب صعوبة الحياة لأوائها ومشقتها وكثرة مشكلاتها، ولكن مع ذلك كانت سماحة النفوس غالبة، ولذلك نحن نجد أوقافًا مختلفة في بلدنا هذا، نجد أوقافًا مختلفة وُقِفَت لمشاريع خيرية متنوعة، حتى العصي التي للعميان كانت يُوقَف لها أوقاف، كذلك بالنسبة إلى الحيوانات كانت تُوقَف أوقاف لأجل ريِّ الطيور، وكانت تُوقَف أوقاف لأجل شرب البهائم، وكانت تُوقَف أوقاف لأجل مصالح مختلفة، كانت تُوقَف أوقاف من أجل طيور مكة المكرمة، هذا مما يدل على أن الناس يريدون أن يتقربوا إلى الله سبحانه وتعالى بكل ما يقربهم إليه، نظرًا إلى ما دل عليه الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الإنسان يؤجر على الإحسان إلى الإنسان وإلى الحيوان؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «في كل ذي كبد رطبة أجر»، فلذلك كان تنافس الناس في هذا المجال.
واطلعت على سَكٍّ قبل سنين لوقف مال في مدينة بهلا في القرن السابع الهجري من أجل التفطير في المسجد الحرام، ما شاء الله، كان الناس يسابقون إلى الخير، كانت أوقاف لتفطير الصائمين، وكانت أوقاف لتشجيع عُمّار المساجد، وكانت أوقاف المساجد، وكانت أوقاف المدارس، وكانت أوقاف لِلْعُمّ، وكانت أوقاف للفقراء والمساكين، وكانت أوقاف لذوي القربى، كل من ذلك مما كان الناس يتنافسون فيه.
والآن مع انفتاح الدنيا على الناس وكثرة الخير، وكون الناس والحمد لله يعيشون في رغد من العيش ويتفيؤون نعمة الله سبحانه وتعالى، نجد مع ذلك النفوس شحَّت، فلذلك نحن نرى من الضرورة أن يُذكَّر الناس بهذا الأمر.
فالإنسان إذا أوتي من الخير، الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ومن ذلك ما يفعله من الأعمال التي هي أثر لهذا الخير الذي أفاء الله تعالى به عليه.
ومن المعلوم أن الإنسان مسؤول عن ماله، كما جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم»، فهو يُسأل عن المال سؤالين: يُسأل عنه من أين كسبه، ويُسأل عنه فيما أنفقه، لأن إنفاق المال إنما يجب أن يكون في الأمر المشروع الذي أمر الله سبحانه وتعالى به ورضيه، لا فيما لم يأذن به الله سبحانه.
ومن المعلوم أن الله تعالى أمر بإنفاق المال في سبيله، ووعد على ذلك الأجور الكثيرة، الله تعالى يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261].
ومن المعلوم أن هذه النفقة إن كانت نفقة مستمرة فإن خيرها يكون أيضًا خيرًا مستمرًّا، ويكون أجرها أجرًا متواصلًا؛ فالإنسان يُؤجَر بعد موته على ما يوقفه في حياته ليكون لمصلحة من المصالح التي يرضاها الله سبحانه وتعالى.
فمن وقف مالًا مثلًا لتعليم العلم النافع، فلا ريب أن كل من تعلَّم أي شيء ولو حرفًا واحدًا من العلوم النافعة كان ذلك مما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى في حياته وبعد مماته؛ إذا تعلَّم أي أحد ولو شيئًا قليلًا يسيرًا، كذلك من وقف كتبًا للانتفاع بها، أو وقف مبنى ليكون مكتبة، أو وقف مالًا ليكون لمصلحة مسجد من المساجد، أو ليكون لمصلحة فقراء، أو ليكون لمصلحة مساكين، أو ليكون مصلحة المرضى، أو يكون من أجل إقامة مستشفى، أو من أجل الإنفاق على مستشفى، أو من أجل أي شيء من هذا القبيل؛ فإن ذلك مما يتواصل أجره باستمرار.
فعلى الناس أن يدركوا هذا وأن يحرصوا عليه، وأن يسابقوا في هذا المضمار بحيث يقفون الأموال الكثيرة؛ لتعود منفعتها على المصالح التي تستفيد منها الأمة في حياتهم وبعد مماتهم.