⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أوَّلًا: يُعالَج هذا الإشكال المذكور في السؤال؛ فإن للواقف أن يختار الناظر أو الوكيل على هذا الوقف، بل ينبغي له أن يفعل ذلك؛ نعم، قد لا يتأتَّى له أن يسمِّيه جيلاً بعد جيل – هذا مستحيل طبعًا – لكن أن يَصِف، وقد تقدَّم أن في وقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه تولَّاه بنفسه، نعم، ثم جعل النظارة إلى ابنته حفصة، ثم إلى الأرشد من آل الخطَّاب، فله حينئذٍ أن يَصِف، أن يحدِّد وصفًا لمن يتولَّى نظارة هذا الوقف جيلًا بعد جيل، وأن يكون هذا الوصف نافيًا للجهالة، نافيًا لأيِّ خصومةٍ يمكن أن تنشأ، هذا هو الذي يُنصح به الواقف، نعم.
وإذا عُولِج هذا الإشكال، سهل بعد ذلك ردُّ الناس إلى عظيم فضل الوقف؛ ذلك أن الوقف أفضل أنواع الصدقات، ولو لم يكن كذلك لما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما أتاه سيدُنا عمر بن الخطاب يستأمره في شأن ما آل إليه من أرض خيبر، وأنها أفضل مالٍ آل إليه، فإن رسولَنا صلى الله عليه وسلم أرشده إلى الوقف؛ قال: «إن شئتَ حبستَ أصلَها وتصدَّقتَ بها»، نعم، فهو في موضع البيان، فأرشده إلى أفضل وجوه الصَّدقات.
ولذلك تنافس أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال جابر بن عبد الله: ما كان أحدٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له مالٌ إلا وقف؛ نعم، وتنافس في ذلك التابعون والسلفُ الصالح – رضوان الله تعالى عليهم – وأبدعوا في المجالات التي خصَّصوا لها أوقافًا من أفضل أموالهم، ومن أفضل الأصول التي يملكونها.
نجد حتى النساء: حفصة – رضوان الله تعالى عليها – ابنةُ عمر بن الخطاب، اشترت حِليًّا بعشرين ألفًا، ثم جعلته وقفًا على نساء آل الخطاب، نعم؛ هذا الأثر فيه كثيرٌ من الأحكام الفقهية، لكن موضع الشاهد هنا ما يتعلَّق بتنافُس النساء.
السيِّدة صفيَّة أم المؤمنين جعلت أوقافًا، أمَّهات المؤمنين يكاد يكن جميعًا خصَّصن أوقافًا، النساء المؤمنات، الصحابيات الجليلات – رضوان الله تعالى عليهن – كنَّ يتنافسن أيضًا في تخصيص الأوقاف، وهكذا مضى المسلمون؛ فكيف يتأخَّر المسلمون اليوم عن هذا الفضل العظيم، وعن هذا الباب الذي فتحه لهم ربُّ العزة والجلال تفضُّلاً منه جلَّ وعلا ليكون صدقةً جاريةً يسري أجرها وثوابها إليهم وهم في قبورهم.