⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ريب أن هذه الخطوة التي خطاها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، حفظه الله تعالى ورعاه، إنما هي خطوة أراد بها أن يسير الناس عليها بحيث يسارعون إلى أعمال البر، فإن كل أحد مسؤول عن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه. والمال في الإسلام إنما هو مال الله تعالى، والعبد إنما هو مؤتمن عليه ومستخلَف فيه، لذلك عليه أن يتصرف فيه كسبا وإنفاقا بحسب ما أذن الله تعالى به، وليس له أن يكتسبه بطريق غير شرعية، أو أن ينفقه في وجه غير شرعي، بل على الإنسان أن يلتزم الوجه الشرعي في اكتسابه المال وفي إنفاقه.
ولا ريب أن العالم يتطلع اليوم إلى أمر جديد، العالم يتطلع إلى ما ينقذه من الوسْط الذي يسير إلى الدمار إن لم ينقذه الله تبارك وتعالى منه، فهو لا يكاد يخرج من محنة إلا ليتلقى محنة أخرى، ولا يكاد يفارق أزمة إلا ليواجه أزمة جديدة، ولربما كان في المحنة التالية يتمنى أن تكون المحنة السابقة دامت له لما يراه من هول المحنة التي جاءت من بعدها.
وهذا كله مما يدل على أن الأنظمة البشرية لا تعود على الناس إلا بالويلات، لأنها من نتاج العقل البشري المحدود القاصر، مع أن هذا العقل البشري كما قلنا أكثر من مرة يتأثر بمؤثرات كثيرة، مؤثرات اجتماعية وشخصية. وفي نفس الوقت، الكل يبحثون عن نظام آخر.
ثم إن على المسلمين أن يترجموا ما في دينهم من الأمر ببذل المال، الذي يدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177]، ثم قال: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾. فهذا البذل في وجوهه المشروعة التي أمر الله تعالى بالإنفاق فيها لا ريب أنه ينمي الخير في البلاد ويجعل الناس مشتركين في هذا الخير.
وعلى أن كل أحد هو بحاجة إلى أن يتقرب إلى الله بأنواع القربات، والإنسان له عمر محدود، إذا انتهى هذا العمر انقطع عمله، وهو بحاجة إلى أن يستزيد أجور أعمال بعد أعماله التي قام بها في هذا العمر، وقد جعل الله سبحانه وتعالى سُبُلا للاستزادة من أجور هذه الأعمال، من بين هذه السبل الصدقات الجارية؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به».
فلذلك على الناس أن يحرصوا على هذا الخير، فإيجادهم الأوقاف الخيرية لأي باب من أبواب البر، سواء كان ذلك لإشباع الجياع أو لكسوة العراة أو لمساعدة المحتاجين أو لتزويج العزاب أو لمساعدة الناس في جميع مآسيهم وفي جميع المحن لعلاج المرضى أو نحو ذلك، وكذلك إنفاق الأموال أو وقف هذه الأموال من أجل تعليم الجهال، ومن أجل إيجاد المؤسسات العلمية، وكذلك من أجل إيجاد المؤسسات الصحية وغير ذلك، كل من ذلك فيه خير كثير.
ونحن نرى كيف كان أجدادنا في وقت العسر وفي وقت الشدة عندما كانوا يكدحون ولا يكسبون المال إلا بجهد جهيد، بعرق الجبين وكد اليمين، في ذلك الوقت كم وقفوا من أوقاف خيرية! نرى الأوقاف الخيرية التي وُقِفَت لها وجوه متعددة: فهناك الأسبلة التي للبيان لها أوقاف، وهناك أيضا حتى ما تُغَذَّى به الحيوانات، هناك أوقاف لأجل ريِّ الحيوانات، لأجل المياه التي ترتوي بها الطيور، هناك أوقاف من أجل طيور مكة، هناك أوقاف لوجوه كثيرة من وجوه البر التي تشمل الإنسان والحيوان؛ فهذا مما يدل على أن ديننا الحنيف يسع الكل، وهو دين الرحمة، هذه الرحمة لا تُحصر في الجنس البشري فحسب، بل تتعدى الجنس البشري إلى الحيوانات.
وكذلك بالنسبة إلى أوقاف الطرق وإلى الأوقاف الأخرى التي هي مشهورة موجودة لا تزال، تدل على عمق النظرة وعلى بُعد المرمى وعلى الحرص على التسابق إلى الخير، فعلى الخلف أن يسير على هذا النهج الذي نهجه السلف، وبهذا يترجم هذا الإسلام للآخرين الذين يتطلعون إلى ما ينقذهم من الورطة التي هم واقعون فيها.