⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى وصى باليتامى خيراً في الكتاب العزيز، آيات عدة تدل على أن أمر اليتامى أمر عظيم، مراعاتهم فيها ثواب كبير، وإهمالهم فيه خطر كبير.
فعلى الإنسان أن يحرص على أن يتقرب إلى الله تعالى بحسن الرعاية لليتامى، ولا ريب أن حياة البشر حياة تكافل، حياة اجتماعية، حياة متشابكة من كل ناحية من النواحي؛ فالكبار هم متداخل في شؤونهم، والصغار أيضاً هم متداخل في شؤونهم ويؤثر بعضهم على بعض.
واليتم بما أنه فقد أباه الذي يحنو عليه ويرعاه ويحسن تربيته ويوجهه الوجهة المرضية، جدير بأن يجد هذه الرعاية من مجتمعه، ولا يفقدها بفقده لأبيه؛ فالمجتمع هو مسؤول عن حسن التربية لهؤلاء اليتامى، لأن اليتامى لو أُهملوا فإن إهمالهم ينعكس أثره على المجتمع نفسه، ذلك لأن اليتيم بطبيعة الحال يشعر بالوحدة عندما يُهمل ولا يُراعى ولا يلتفت إليه، فلذلك تكون في نفسه ردة فعل، هذه ردة الفعل قد تؤدي به –والعياذ بالله– إلى الانحراف، هذا الانحراف ينعكس أثره على المجتمع، لأنه قد يجر من خلال انحرافه بنفسه الآخرين إلى هذا الانحراف أيضاً، فقد يجر أبناء مجتمعه الذين يصاحبهم إلى نفس هذا الانحراف الذي وقع فيه.
فلذلك من كان رفيقاً بأبنائه حريصاً على حسن تربيتهم وعلى حسن استقامتهم، عليه أن يرعى اليتيم، وعليه أن يحرص على أن يمسح عن خد هذا اليتيم الدمعة التي تتحدر من عينه بسبب فقدانه راعيه وكفيله، وعليه أن يواسي هذا اليتيم بحيث لا يشعر بأنه فقد حنان الأب وفقد حسن رعايته، عليه أن يواسيه بماله.
فنحن نرى في كتاب الله سبحانه وتعالى أن لليتامى نصيباً من الحقوق المالية، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: 177]، بعد ذوي القربى ذكر أول ما ذكر اليتامى قبل أن يذكر المساكين وغيرهم، وهذا مما يدل على ضرورة مراعاة اليتامى، فالمسكين قد يجتهد ويحتال، أما اليتيم وهو في الطفولة فإن باب الحيلة يكون موصولاً بين يديه لا يجد طريقاً إلى فتحه، فلذلك كان اليتيم بحاجة إلى أن يُواسى بالمال.
وبجانب هذا أيضاً فإنه يجب أن يُراعى في حفظ ماله، فمال اليتيم نفسه أمره كبير؛ كل مال البشر، كل مال الناس يؤدي إلى سخط الله تعالى عندما يؤخذ بغير حق، ولكن مال اليتيم أمره أشد، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]. هكذا يبين الله سبحانه وتعالى كيف يؤدي أكل مال اليتيم بغير حق إلى أن يبوء الإنسان بالوزر العظيم، فهو لا يأكل إلا جمراً، لا يأكل إلا نار جهنم –والعياذ بالله– لأنه ينقلب إلى النار.
فلذلك عليه أن يحرص على توفير مال اليتيم، والله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز يقول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: 1-2]، قرن بين التكذيب بالدين ودع اليتيم، لأن من آمن حقاً بالدين، آمن بالله سبحانه وتعالى، وآمن بما أنزل في كتابه، وآمن بالمعاد، لا يمكنه أن يكون داعاً لليتيم؛ لأن دع اليتيم إنما هي إهانة له، واستخفاف بحقه، وإضاعة لما وصاه الله تعالى به في حقه، فهذا أمر جلل، أمر عظيم، دع اليتيم هو دفعه، وهذا يصدق على كل تصرف يؤدي إلى حرمان هذا اليتيم من حقوقه، كل من ذلك يجب أن يكون الناس على البال منه، وألا يضيع حق اليتيم بأي حال من الأحوال.
عليهم أن يحسنوا تربية اليتيم، ونحن نرى في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على الفضل العظيم الذي يحرزه من حافظ على اليتيم، وعلى حسن تربيته، وعلى حسن كفالته، فقد قال: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا» –وأشار بالسبابة والوسطى–، يعني أن كافل اليتيم يصل إلى درجة عالية عند الله تعالى حتى يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم، يعني كقرين له كما تقترن الأصبع بالأصبع.
يعني هذا كله يؤدي بطبيعة الحال إلى أن يكون المجتمع مجتمعاً متماسكاً، مجتمعاً حريصاً على حسن التربية؛ فالاسلام عدّ هذه العلاقة الحسنة ما بين المجتمع وبين اليتيم لينشأ اليتيم وهو لا يشعر بفقدانه الأب.
والصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا حراصاً على كفالة الأيتام، كانوا حراصاً على بر اليتيم وحسن معاملته، كان اليتيم لا يشعر بفقدان حنان الأب، لأن أمه سرعان ما تتزوج بعد اعتدادها على أبيه، ويجد من زوج أمه ما يعوضه عن حنان الأب، وذلك لحسن مراعاة بعضهم لبعض، وهذا مما يجب أن يكون بين المؤمنين، يجب أن يكون هذا التواد وهذا التراحم وهذا التعاطف بين المؤمنين في جميع الأوقات.
فالناس مطالبون بهذه الرعاية، رعاية الأيتام، لأجل حفظ هؤلاء الأيتام من الضياع، ولأجل تعويضهم عما فقدوه من حنان الأبوة ورعايتها.