⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم وبناتهم مسؤولية كبرى، فمن حيث الفطرة الأولاد هم امتداد لأصولهم من الآباء والأمهات، والوالد يرى في ولده شخصيته تمتد، وشبابه يتجدد، وحياته تنبعث من جديد، فلذلك يَسَرُّ الآباء وتَسَرُّ الأمهات بفتو أولادهم وقوتهم ونشاطهم، لأنهم يروا أن هذا إنما هو امتداد لشبابه.
كما قال الشاعر:
وقلتُ شبابَ ابني شبابي
وإنما تحوَّل شطرُ الأمرِ مني إلى شطري
وشفقة الآباء والأمهات على الأولاد شفقة بالغة لا تساويها شفقة، وحسبنا تجسيد الشاعر لهذه الشفقة عندما قال:
وإنما أولادُنا بيننا
أكبادُنا تمشي على الأرض
لو هبَّتِ الريحُ على بعضِهم
لم تنعَطْ عيني عن الغمض
فحسب الإنسان هذا التصوير، بحيث إن عين الوالد تمتنع عن الغمض لمجرد هبوب الريح على الأولاد، فكيف إذا كان الأمر أخطر من هذا بكثير، بل هو يفوق كل المقاييس في تصور خطِره، ذلك لأن إهمال الأولاد إنما يؤدي إلى عدم مبالاتهم بما يأتون وما يتكون، وهذا مما يؤدي إلى أن يكون عُرضة لسخط الله تعالى وعقابه في الآخرة، وما أدكم ما عقاب الآخرة، من خسر ذلك اليوم قد خسر، ومن ربح فقد ربح، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
ولا ريب أن الإنسان مسؤول عن كل تصرفٍ يتصرف، وهو يتحمل تبعة أعماله، وإذا كانت هذه الأعمال التي يعملها تتعلق بها حقوق للآخرين فإن هذه المسؤولية تتضاعف، والتبعة تثقل، ذلك لأن توبة الإنسان فيما قارَفه فيما بينه وبين ربه تجبُّ ما قبلها، وتحول الإنسان من حال إلى حال، تحوِّله من حال الفجرة إلى حال البَرَرة، ولكن إذا كانت هذه المعصية في حقٍّ للبشر فلا ريب أن هذا الحق لا يمكن أن يتفلت من مسؤوليته بعد أدائه إلى الغير، وإذا كان حق الغير يمكن أن يسقط بعفو صاحبه عنه، مع كونه من أهل القدرة على العفو بأن يكون حراً بالغاً عاقلاً، فإن هذه المسؤولية لا تنفك عن صاحبها عندما يكون هذا الحق لا يمكن لأحد أن يسقطه، لا يمكن لأحد أن يعفو عن تبعته، وهو المال العام.
فالمال العام يُسأل عنه الإنسان، ولا يخلصه إلا أن يتخلص من تبعته بوجه شرعي، أما بدون ذلك فلا.
وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله عن أبي عبيدة أنه سمع جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقولون: «الذنب ذنبان: ذنبٌ بين العبد وربه، وذنبٌ بين العبد وصاحبه، فالذنب الذي بين العبد وربه من تاب منه كان كمن لا ذنب له، والذنب الذي بين العبد وصاحبه لا توبة منه حتى تُرَدَّ المظالم».
فردُّ المظالم أمرٌ لابد منه، وقد يُسقط الإنسانُ مظلمتَه عندما يعفو عن تبعتها، إلا أن ذلك عندما يكون حقاً عاماً يشترك فيه الجميع، يشترك فيه الرجل والمرأة، والحاضر والغائب، والكبير والصغير، والعاقل والمجنون، فلا ريب أن العفو عن هذا الحق مما لا يتأتى بحال من الأحوال.
فلذلك يجب أن يُرَبَّى الأولاد على احترام جميع حقوق الناس، وجميع أموال الناس، من غير أن يفرِّطوا في هذا الاحترام بأي وجه من الوجوه، ولكن المال العام هو أولى بأن يُحافَظ عليه وأن لا يُفرَّط فيه، وإذا كان الإنسان إذا أخذ من هذا المال وانتفع به هو مسؤول عنه، فكيف إذا أتلفه، لم ينتفع به هو ولم يترك غيره ينتفع به، وإنما أتلفه؟ فهذا من الفساد في الأرض، والفساد في الأرض يجب أن يُقاوَم، ولا يُترَك هكذا ينتشر ويتفشى.
فمسؤولية... أن عليهم أن يغرسوا في نفوسهم المحافظة التامة على المال العام الذي هو حق للجميع، ولا يمكن لفرد أن يُسقِط هذا الحق، والله تعالى المستعان.