⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه نتيجة التهاون في الآداب الشرعية، والأصل أن يُربّى كلٌّ من الرجل والمرأة على الإيمان بالله سبحانه وتعالى، على مراعاة أحكام شرعه جل وعلا، على الخوف من أليم عقابه سبحانه حين مقارفة المعصية، وأن يُربّى كل واحد من الجنسين أيضا على النظر في عواقب الأمور؛ فإن المرءَ قد تدعوه شهوته، ويتبع هواه دون أن يتفكر فيما ينتج عن ذلك.
والوقوع في فاحشة الزنا مؤذن بالوقوع في سخط الله سبحانه وتعالى؛ يكفي أن الزنا قتل معنوي للنفس، ذكره المولى سبحانه وتعالى بين قتلين، ويكفي أن الذي يزني ـ والعياذ بالله ـ يكون قد خلع ربقة الإيمان من عنقه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، بل إنه لعِظَم جرم الزنا وصفه الله تعالى بأنه فاحشة حينما قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
ويكفي أيضا أن الله سبحانه وتعالى رتّب على ارتكاب فاحشة الزنا عقوبة حَدّية حينما قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
كل هذا لأجل بيان ضرر الزنا وعاقبته السيئة، وهو يؤدي إلى انعدام الأمن في المجتمع؛ لأن الذي يزني مرة ـ والعياذ بالله ـ يموت قلبه، ويكون عبدا لهواه؛ فهو يجري لاهثا وراء هذه الشهوة، يريد أن يحصلها بكل طريق؛ فربما اعتدى على امرأة عفيفة تسير في الطريق، وربما لم يكتفِ بالنساء حتى يهجم على الأطفال، وهذا الذي يحدث في بلاد الكفر ـ والعياذ بالله ـ فإن نظرياتهم المزْعومة التي وضع فرويد لم تردعهم عن الاستمرار في هذا الأمر، بل إن سعار الشهوات قد ازداد؛ هم يزعمون بأن في التقاء الرجل بالمرأة، وفي تطلعه إليها، وفي تبادلهما الحديث كَسْراً للحواجز النفسية وتهذيبا للغريزة الجنسية، والواقع أنها تزيد هذه الغريزة هيجانا، وتوصل الإنسان إلى الشذوذ ـ والعياذ بالله ـ حتى لا يكتفي الرجل بالمرأة فيقوم بممارسة الرذيلة مع رجلٍ مثلِه، وحتى لا تكتفي المرأة بالرجل فتمارس الرذيلة مع امرأة مثلِها.
ونتيجةً لهذا ـ كما قلتُ ـ تنعدم الأخلاق من النفوس، ينعدم الحياء، وتُزال العفة، وهذا الذي يرضى أن يرتكب الفاحشة في امرأة وقد تكون مسلمة، إذاً لماذا لا يرضى الفاحشة في أهله؟ ولماذا لا يتسامح في ذلك مع زوجته حين تقابل الرجال الأجانب وتكلّمهم دون حياء؟ فيجب ـ كما قلتُ ـ التربية على الإيمان وعلى حسن الخلق، ويجب الالتزام بالآداب الشرعية حينما تكون هناك ملاقاةٌ لمصلحة بين رجل وامرأة، كلّ واحدٍ منهما أجنبيٌّ من الآخر؛ يجب أن يكون ذلك في إطار الحشمة بحيث لا يزيد عن قدر الحاجة.
فنحن لا نمنع أن يُكلِّم الرجلُ امرأةً أجنبية أو تكلِّمه لحاجة، أو أن تُقضى بينهما مصالح؛ فشرعُ الله لا يمنعهما من التبايع، ولا يمنع المرأة مثلا من إبداءِ الشهادة أمام القاضي، ولا يمنع المرأة من السؤال والتعلُّم، ولا يمنع المرأة من العمل ونحو ذلك، ولكن يجب أن يكون ذلك وفق ضوابط؛ المولى سبحانه وتعالى يحذّر من أدنى شيء يؤدي إلى تهييج الشهوة وإيقاع الفتنة؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 31]، فمجرد ضرب المرأة برجلها على الأرض لرفع صوت الحِلية فيها، أو لأجل جذب انتباه الرجل هو ممنوع.
وكذا أيضا نبرةُ صوتها، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32]؛ لم يمنعها عن القول مطلقا، وإنما نهاها عن الخضوع في القول، ونهاها أيضا عن الزينة بحيث لا تخرج من بيتها متزينة لتفتن عباد الله؛ كما ذكرتُ، ينطبق عليها الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا لَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، تخرج من بيتها متزينة متبرجة، مع أنها حين تلتقي بزوجها لا تفعل شيئا من ذلك؛ فما نية هذه المرأة؟ ألا ترى أنها تدعو غيرها لكي يعتدي عليها؟ نعم، فعندما تقع في المحذور تلوم الآخرين مع أنها تسببت في ذلك، هذا بالطبع ليس مبرّرا للاعتداء عليها، ولكن هذه هي الطبيعة البشرية؛ فيجب على هذه المرأة أن تصون نفسها، والحجاب الشرعي هو الذي يحفظ لها هذه المكانة؛ ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59].