⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، يعني هذا الكلام الذي تقدم لم يكن مجرد نظريات فارغة، وإنما كان مبادئ عملية، بدءاً من إقرار أن الولايات العامة، وما نعرفه نحن اليوم بالسلطات الإدارية، هي أمانات يُسأل عنها العبد عند الله تعالى يوم القيامة.
ولذلك نجد أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ثم قال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، إن الله نعمّا يعظكم به.
ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، فيقرّر أن مفهوم رعاية المسؤولية مفهوم واسع يشمل كل أفراد المجتمع، فهو خطاب لعموم أفراد المجتمع بدليل قوله: «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، ثم ذكر بعد ذلك نماذج من هذه المسؤوليات التي يجب على المخاطَب أن يرعاها حق رعايتها، فقال: «فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ وهو مسؤول عن أهل بيته، والمرأة راعية وهي مسؤولة عن بيت زوجها»، وختم بقوله: «ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» مرة أخرى.
وأكّد أيضاً هذا المعنى ليكون الباعث الذي يولّيه المسلمون لهذه الولايات العامة أو الخاصة التي تُناط بهم باعثاً ينطلق من دواخلهم، فيخشون الله حق الخشية، ولا يخافون فيه لومة لائم، لأنهم يُسألون عنها يوم القيامة، فلذلك قال أيضاً مُقرِّراً هذا المبدأ الإيماني التربوي: «ما من عبدٍ يَسترعيه الله تعالى رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرّم الله عليه الجنة»، وفي رواية: «ما من عبدٍ يَسترعيه الله رعيةً فلم يؤدِّها بنصيحةٍ –وفي رواية: بنُصح– إلا حرّم الله عليه الجنة».
إذاً هذا إقرار المبدأ التربوي الذي يتعامل به أفراد المجتمع المسلم مع هذه الولايات، أو مع السلطة الممنوحة لهم، مع السلطات الممنوحة لهم عظمت هذه الصلاحيات والسلطات أم صغرت، وبحسب عظمها تعظم المسؤولية، ويتوجه الخطاب بضرورة رعاية هذه المسؤوليات ليكون أشدّ حينما تعظم هذه المسؤوليات.
ثم نأتي بعد ذلك فنجد أن هناك التفاتاً إلى من يُولّى؛ فهذا أبو ذر يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعمله، ففي الرواية أنه رضي الله تعالى عنه قال: ألا تستعملني يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم –تقول الرواية–: فضرب على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».
فيبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن معيار اختيار ذوي الولايات، أي أصحاب المناصب، إنما هو الكفاءة والأهلية؛ ولذلك قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف»، وعلّل ذلك: «وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة» لتأكيد البعد الإيماني العقدي في هذه القضية، ثم استثنى صلى الله عليه وسلم فقال: «إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها»؛ فحينما يكون أهلاً كُفئاً.
وكثير من المفسرين والفقهاء يستشهدون بقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]؛ فالقوة هي كناية عن الكفاءة، أي الملكات العلمية والبدنية اللازمة، أو الخبرات اللازمة للقيام بعمل ما، والشرط الثاني هو الأمانة، والأمانة هي بالمفهوم الذي حدّدناه سابقاً من أنها تعني المسؤولية ورعاية هذه المسؤولية.
نأتي مثلاً إلى تشريع من نحو منع الهدية للولاة كالحديث المتقدم –الذي فيه: «هذا أُهدي لكم، وهذا أُهدي لي»– وإنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه هذا الفعل، أيضاً نجد أن من ضمن هذه التشريعات الخاصة الواردة ما يتصل بالتغليظ في أمر الرشوة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما يقول: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما»؛ هذا التغليظ، والوعيد المشتمل على الإبعاد من رحمة الله عز وجل، إنما هو لعِظَم أثر ارتكاب مثل هذه المخالفات في رعاية هذه الأمانات والمسؤوليات التي هي في أعناق مَن مُنِحُوها.
ولذلك فإن استشعار هذا المعنى أمر غاية الأهمية في تحقيق تلك المعاني التي تحدثنا عنها من معاني الفساد بشتى أنواعه أو الفساد الإداري الذي نتحدث عنه.