⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولاً: مثل هذه الظاهرة حينما توجد فإن مردَّها إلى أمرين متناقضين: أما الأمر الأول فهو الفساد الإداري الذي نتحدث عنه، وأما الأمر الثاني فهو الممارسة الخاطئة للرقابة الإدارية.
فأما الفساد الإداري فصلةُه بهذه الظاهرة واضحة؛ هذا هو الذي نتحدث عنه: أن تُعطَّل مصالح الناس، وأن يظن ذوُو هذه المسؤوليات –كما قلتُ عظمت أو صغرت المسؤوليات– أن هذه السلطة التي في أيديهم إنما يختصون بها لأنفسهم، وأنهم جُعلوا فيها لأنهم يُراد لهم هم أن يستفيدوا منها، ولم يفهموا حقيقتها: أنه إنما أريد لهم أن ينفعوا الناس بها.
ولذلك نجد أن الفقهاء يشددون على من يحتجب عن الناس حينما تُوكَل إليه مهمة، فيحتجب عن الناس؛ يصرح الفقهاء أنه آثم بفعله ذلك؛ لأنه يعطل مصالح الناس.
أما كون مثل هذا الأمر –يعني هذا الخلل– يحصل نتيجة الممارسة الخاطئة للرقابة الإدارية، فإن بيان ذلك أن الكثير من الناس يظن أنه حتى يضبط عمله ينبغي له أن يتقيد بحرفية النظام الموجود، بل يضيف إليه اجتهادات من عنده على سبيل الاحتياط، فإذا به يعطّل مصالح الناس، وهذا الذي ذكرتموه في الفاصل من أمر البيروقراطية: أن توجد من العراقيل والحواجز الإدارية ما يعقد إيصال الخدمات للناس.
... فإذاً هنا يكون من خلال الفساد الإداري، وهذا الذي ينبغي أن نتعاون على نفيه عن مجتمعاتنا، وأن يكون ذلك أيضاً من فهمنا الصحيح للرقابة الإدارية؛ لا تعني الرقابةُ الإدارية أن نضع عوائق وعراقيل تصعِّب من أمر إنجاز المعاملات.
ونحن اليوم نتحدث عن حكومة إلكترونية، وعن وسائل اتصال وتقنيات، ويعني أن العالم صار غرفة صغيرة، فكيف لا يمكن إنجاز هذه المعاملات بأيسر طريق وبأسهل وسيلة ممكنة؟ هذا هو الذي لا ريب أن بطء المعاملات وتعقيد الإجراءات يدفع الناس إلى أن يبحثوا عن وسائل ملتوية لإنجاز معاملاتهم، للحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها.
نعم، ولذلك فإن الفساد يولِّد الفساد، ولهذا نجد –وهذا ملحظ في كتاب الله عز وجل– حينما قال: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا فَسَادًا﴾ [الفجر: ١٠-١٢]، لأن الفساد يولِّد الفساد، وهكذا تتسع دائرته حتى يفشو ويعم.
وكذا الحال بالنسبة للجانب المقابل كما قلت؛ ولهذا فإن كلَّ مَن يعنيه أمرُ الرقابة الإدارية –سواء كان من خلال مؤسسة رسمية أو مؤسسة خاصة أو مدنية، أو كان معنياً بهذا الأمر– لابد أن يعي أن رسالته أن تقوم بتذليل الصعاب، وإزالة الحواجز والعقبات، وتسهيل إيصال الخدمات للناس.