⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلا ريب أن هذا الدين دين يدعو المسلم إلى العلم، والله سبحانه وتعالى قد بعث نبيه ورسوله محمدا الخاتم صلى الله عليه وسلم بدعوة العلم: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
وكان من لطف الله عز وجل بهذه الأمة أن أنزل عليها أول ما أنزل من وحيه قوله سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ مما يشي أن هذه الأمة التي أريد لها أن تكون أمة هداية للناس هي أمة علم، وهذا الدين دين علم؛ فالعلم فيه يدعو إلى الإيمان، ويجعل العالم أكثر خشية لله سبحانه وتعالى، والإيمان فيه يدعو إلى التعلّم وعلى طلب العلم، وعلى السعي إلى عبادة الله عز وجل على بصيرة، وإلى التزوّد من سائر العلوم والمعارف التي ترفع من شأن هذا الإنسان في حياته، وتسهّل له سبل هذه الحياة، وتوصل إليه مصالحه فردا كان أو جماعة، وتدفع عنه المضار.
ولذلك فإن أمر العبادات أيضا بُني على علم، والله سبحانه وتعالى قد ناط ونصَب أسبابا تُجب بها بعض العبادات؛ فحينما قال: يسألونك عن الأهلة كان الجواب: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾؛ فـ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ إشارة إلى المنافع الدنيوية المترتبة على حركة الليل والنهار، وعلى حركة الشمس والقمر، واختلاف الليل والنهار، وقوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾ إشارة إلى العبادات التي تُبنى على حركة الشمس والقمر، وعلى تعاقب الليل والنهار.
ولذلك نجد أيضا أن الله سبحانه وتعالى جعل أمر الصلاة منوطا بتحقق هذه الأسباب، فهو سبحانه يقول: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾، فطائفة من أهل العلم عليه في هذه الآية الإشارة إلى الصلاة؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ أي أمر بصلاة المغرب والعشاء لأنها تكون وقت المساء، وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ أي صلاة العصر لأنها في وقت العشي، و﴿حِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أي صلاة الظهر لأن ذلك هو وقتها.
ونصبُ هذه العلامات لتكون أسبابا للصلاة أيضا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾؛ فالأمر بإقامة الصلاة حين تحقق سبب وجوبها هو المفهوم من هذه الآية الكريمة، فالله عز وجل نصب دلوك الشمس –أي زوالها– سببا لوقت وجوب صلاة الظهر، وجعل انبلاج الفجر الصادق سببا لوقت صلاة الفجر.
إذًا هناك عبادات نيطت بحركة هذه الأجرام السماوية، الشمس والقمر على وجه الخصوص، وكان من ذلك ما يتصل بأمر الصيام؛ فأمر الصيام أيضا نيط برؤية الهلال بحسب ما هو متفق عليه عند أهل العلم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له»، وفي رواية: «فأكملوا العدة ثلاثين»؛ فهذا الحديث يؤكد على أن الصيام إنما يجب برؤية الهلال، فليس وجود الهلال في ذاته سببا لوجوب الصيام بحسب ما يُفهم من هذا الحديث، وإنما رؤية الناس لهذا الهلال.
وهذا يستند أيضا إلى جملة من الأحاديث الأخرى الصحيحة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، وبالتالي فحينما نجمع بين هذه الأدلة الشرعية وبين العلوم التي تُعين على تعريف المكلَّف بمواقيت ومواعيد هذه الأجرام السماوية، فلا شك أن ذلك يورثنا طمأنينة في المنهج الذي نسلكه فيما يتصل بعباداتنا.
فإن كان أمر الأدلة الشرعية هو بحسب ما تقدمت الإشارة إليه، فإن أمر العلوم التي تعين المسلم على ضبط معرفة مواقيت هذه الأجرام السماوية هو ما نعرفه نحن اليوم بعلم الفلك، وقد بلغ علم الفلك اليوم شأوا بعيدا في الدقة والضبط وإحكام النتائج، ولذلك فإن علم الفلك يقرِّر حقائق تتصل بحركة القمر من حيث وجوده –عفوا– من حيث إمكان رؤيته أو استحالتها من حيث عدم إمكان رؤيته، واستحالة رؤية الهلال وفقا لقواعد علمية بلغت من الدقة شأنا عظيما بل وصلت إلى حد القطع والإيقان نظرا لانضباطها.
ولذلك فإن المسلك الذي سارت عليه السلطنة هنا هو أن تجمع بين الأدلة الشرعية وبين معطيات علم الفلك بعدما وصل إلى حد القطع واليقين، وهذا الجمع لا يتحصل إلا بالنظر إلى أمرين:
الأمر الأول: في حالة إمكانية الرؤية؛ أي في حالة تقرير علم الفلك إمكان رؤية الهلال في بقعة ما من بلاد المسلمين أو في أي بقعة يُعبد فيها الله سبحانه وتعالى؛ فإن قرَّر علم الفلك إمكان الرؤية فإنه لا شك لا بد من الاستئناس بهذه الحقيقة، لكن لا بد من إعمال الأدلة الشرعية الناصَّة على رؤية الهلال، سواء كانت هذه الرؤية رؤية بالعين المجردة، أو كانت –كما يقول بعض الفقهاء– بالعين المسلحة أي باستخدام الوسائل من المناظير والمكبِّرات والمقرِّب.
أما الحالة الثانية فهي الحالة التي يقرر فيها علم الفلك استحالة الرؤية؛ أي أن الهلال يختفي قبل الشمس أو معها، أو أنه يختفي بعد الشمس بمدة لا يمكن معها رؤية الهلال أبدا؛ فهذه الحالة تعني استحالة الرؤية، ولذلك فإنه لا مناص من الأخذ بحقائق علم الفلك في هذه الحالة، وأخذُها يعني –في حالة الاستحالة– عدم دعوة الناس إلى استطلاع الهلال إذ لا هلال في الأفق أصلا، فالهلال قد اختفى قبل الشمس أو اختفى معها، أو اختفى بعدها مباشرة بوقت يستحيل أن يُرى فيه لا بالعين المجردة ولا بالمناظير والوسائل المستخدمة حاليا.
ولذلك فإنه لا بد من الأخذ بهذه الحقيقة عندها؛ إذ لو ورد بلاغ، خبر بأن أحدا رأى الهلال فإن خبرَه ذلك خبر واهم، ولا يمكن أن يُعتدَّ به، لأن الأخبار –كما الشهادات– تُردُّ بما يناقض العادة أو العقل أو العلم أو الشرع لا شك.
وحينما يأتي مثل هذا الخبر والعلم يقطع بأن الهلال قد اختفى، وأنه يستحيل أن يُرى؛ فهذه ليست بقرينة فقط، بل هذه حجة قاطعة على أن هذا الذي رآه هو شيء آخر غير الهلال، وأنه واهم فيما أخبر به، وأنه لا يمكن أن يُؤخذ بقوله في الاعتداد بدخول شهر رمضان أو بخروجه.
هذا هو المسلك الذي سلكته السلطنة فيما يتصل بالجمع بين الأدلة العلمية مع الأدلة الشرعية، وفي أيضا إيجاد الوسائل التي تعين على ضبط بدايات الأشهر القمرية على وجه العموم، والأشهر التي تتعلق بها عبادات كشهر رمضان وشهر ذي الحجة؛ فإن هناك –بعد تقرير هذه القواعد– أيضا من الوسائل العلمية التي تعين على رؤية الهلال في حالة الإمكان: من استخدام المناظير، واستخدام المراصد الفلكية المخصصة لرصد الأهلة وقت غروب الشمس وبداية ظهور الهلال، واستخدام التقنيات الرقمية اللازمة والمعادلات العلمية، والاستعانة بسائر الأجهزة والوسائل التي أتاحها لنا هذا العصر لكي تعين على الأخذ بالعلم وعلى ضبط الرؤية بما يحكمها شرعا.
والله تعالى أعلم.