⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا، ما قررناه سابقًا من قواعد كلية هي تسري على الجميع؛ تسري على المستهلك، وتسري على التاجر والصانع والوسيط؛ لما نقول: بأنه لا بد من وجود رقابة ذاتية، لا بد من استشعار مراقبة الله عز وجل، أن يستشعر المرء مراقبة الله تعالى في سائر أموره، هذا مما يشترك فيه الجميع.
حينما نقول: لا بد من الاحتكام إلى القواعد الخُلقية التي أقرتها لنا شريعتنا في سائر معاملاتنا، هذا مما يشترك فيه الجميع.
حينما نقول: بأن الإسلام قصد من سائر الأحكام المتصلة بالمعاملات المالية إلى إنشاء سوق، إلى إيجاد سوق متصفة بالنزاهة والشفافية والصدق والأمانة، مع التنمية الشاملة، وتحقق الإنصاف والعدالة فيها للجميع، فإن هذا –ذا– يعني أنها مسؤولية مشتركة بين المستهلك والتاجر والصانع.
أما التجار، فأنا أُبشّر أوّلًا التاجر الصدوق بما بشّر به رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء». وهذه الرواية للمحدِّثين فيها كلام، إلا أن كثيرًا من الحفّاظ قد حسّنها، ويعني هذه بشارة لكل تاجر صدوق، وهو أهل لذلك؛ فهو يقدّم خدمات، والله عز وجل يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فهو يحقّق منافع للناس، فضلًا عن أنه يكسب كسبًا مشروعًا، إلا أنه يحقق منافع للناس، وبالتالي حينما يكون صادقًا أمينًا في بيعه وشرائه فهو أهل لأن يحظى بالثواب والنعيم في الآخرة؛ «التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء».
ولكن أين هو التاجر الصدوق؟ هذا المعنى أيضًا نلمسه في حديث حسّنه طائفة من المحدّثين، وهو قوله صلى الله عليه وسلم حينما دخل السوق فقال: «يا معشر التجار» فرفعوا إليه أعناقهم، وكرّرها: «يا معشر التجار» فرفعوا إليه أعناقهم، ثم قال: «إن التجار يُبعثون يوم القيامة فُجّارًا إلا من اتقى وبرّ وصدق». إذًا إن خالفوا البرَّ، مقتضيات البر والتقوى والصدق في تجارتهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توعّدهم بأنهم يُبعثون يوم القيامة فُجّارًا، نعم.
هذا هو المبدأ الأول، المبدأ الكلّي الذي يخص التجار: تقرير الفارق بين التاجر الصدوق الأمين الذي يراقب الله عز وجل ويخشاه، وبين من هو دون ذلك؛ فهذا مستحق لأن يكون مع النبيين والصديقين، وذلك إنما يُبعث مع الفُجّار –والعياذ بالله، العياذ بالله.
أما الأمر الثاني، فهو تقرير أهمية إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم؛ والله تعالى يقول: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ مخاطِبًا عموم المؤمنين، ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾، ويقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
فالتطريف في المكيال، والخسران في الميزان، وعدم إيفاء الوزن بالقسطاس، إنما هي من الآفات التي تنخر في المجتمع فَتورِثه خبثًا، وتنشر فيه الرذائل، وتؤدي إلى محق البركة وارتفاعها، وتجعل من المجتمع –والعياذ بالله– وكأنه غابة يَعْدو فيها القوي على الضعيف، والغني على الفقير، وذو القوة على من كان مفتقرًا إلى القوة، نعم؛ لأن المبدأ الذي يسيرون عليه هو التطفيف في المكيال، والوزن بمكيالين، وعدم... ويحسبون ذلك أنه من الشطارة والمهارة، وهذا من –يعني– عُقم ما التفكير الذي يمكن أن يصل إليه المسلمون في مراحل تأخّرهم.
أما حينما يلتزمون بهذه المبادئ والقيم الواردة عليهم في معاملاتهم المالية، فلا ريب أن ذلك دليل تحضّرهم، ودليل تمسكهم وأخذهم بالأسباب الصحيحة لرقيّ مدنيتهم، ولتوافر واجتماع أسباب الحضارة الصحيحة ماديّها ومعنويّها.
ولهذا فإن الله تعالى في كتابه الكريم حينما حذّرنا من التطفيف في المكيال، وأمرنا بإيفاء الكيل، بيّن العواقب المعيشية –اقتصادية كانت أو اجتماعية أو نفسية أو إيمانية– على هذا التطفيف في الكيل، كما أنه بيّن عاقبة إيفاء الكيل وأداء الحقوق، فقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾؛ إذًا تحلّ البركة، وينمّي الله عز وجل المال للناس في مجتمعاتهم، ولهذا نجد أن حتى ما يظهر للناس من إنفاق هو في حقيقته نماء وبركة حينما يكون هذا الإنفاق مشروعًا؛ «ما نقص مال من صدقة»، والله عز وجل يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، نعم.
إذًا، وهذا هو الأمر الثالث فيما يتصل بالتجار: أداء حقوق الله عز وجل وحقوق العباد عليهم، وأولى هذه الحقوق إخراج زكوات أموالهم؛ لأنهم بذلك يُحصِّنون هذه الأموال ويتسبّبون في نمائها وبركتها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، «ما نقص مال من صدقة».
هذا المبدأ الثالث.
أما الرابع، فهو أهمية الفقه والعلم؛ فإن التجارة لا شك تحتاج إلى فقه وعلم، وحتى يتجنب التاجر الوقوع في ظلم المستهلكين، وفي التعدي عليهم، أو في التعسف في استعمال حقوقه، فإنه يحتاج إلى دراية وإلى علم؛ وبالتالي فعليه أن يتعلّم، وأن يتفقّه ما يحتاج إليه من أمور البيع والشراء، والمعاملات المحرّمة، والمحرمات من العقود، وشروط هذه العقود؛ لأنه متلبّس بهذا العمل، وهو يُطعم نفسه وعياله رزقًا حلالًا طيّبًا، فلا ينبغي له –بل لا يجوز له– أن يفعل ذلك عن جهالة؛ لأن الجهل يؤدي به إلى الوقوع في الخطأ، والخطأ –يعني– يؤدي إلى الوقوع في الحرام –والعياذ بالله–، وبالتالي يكون كسبه كسبًا غير مشروع، وهذا أمر بالغ الأهمية، واليوم وسائل التعلّم أصبحت وسائل كثيرة، أصبحت وسائل كثيرة متنوّعة، نعم.
ثم بعد ذلك نأتي –بعد هذه المبادئ– نأتي إلى تفاصيل تتصل بحماية المستهلك في صلته بالتاجر قبل العقد، وأثناء التعاقد، وبعد الصَّفقة...
أما قبل العقد، فإن التاجر أو المصنع مأمور بأن يُتقن ما يصنع؛ «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه»، وكثير من المحدّثين يرى أن هذا الحديث يقوى بحديث: «إن الله يحب من العبد إذا عمل عملًا أن يُحسنه»، نعم؛ فإذا عليه فيما يقدّم من سلع وخدمات أن يتقنها، وأن يُجوّدها قدر استطاعته، هذا قبل التعاقد.
عليه أن يتجنّب الغش، فلا يُخفي عيوب هذه السلعة، وليس له أن يُدلّس لكي يُظهر السلعة على غير، أو الخدمة على غير حقيقتها، نعم.
كما أنه منهيّ عن الاحتكار، والاحتكار من أهم أسباب غلاء الأسعار؛ لأن هذا المحتكر إنما يتربّص بالسلعة إلى موسم يرتفع فيه الأسعار، ثم يقدّم هذه السلعة للناس، ولذلك جاءت أحاديث كثيرة تنهى التجار عن الاحتكار، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاحتكار وقال: «لا يحتكر إلا خاطئ»، ووُرِدت روايات كثيرة في التحذير من الاحتكار، نعم، ولا شك أن عاقبة الاحتكار واضحة بيّنة.
إذًا هذه إجراءات قبل التعاقد يُخاطب بها التاجر، يُخاطب بها المصنع الذي يوفّر السلعة أو الخدمة أو يصنعها للناس.
أما عند التعاقد، فإن هناك جملة من الأحكام الشرعية التي يجب على التاجر أن يلاحظها؛ فهو منهيّ عن الغش، والنبي صلى الله عليه وسلم –كما تقدّم– قال: «من غشّنا فليس منا»، ومنهيّ عن إخفاء عيوب السلعة، من حق المسلم على المسلم –إذا ابتاع منه– أن يُبيّن له العيب، فليس له أن يُخفي عيوب السلعة، بل عليه أن يبيّن ما في هذه السلعة من عيوب، ثم بعد ذلك يكون المشتري بالخيار: إن أرادها بعيوبها، أو أن صرف النظر عنها، جميل.
وفي إخفاء العيوب وعيد شديد أيضًا بيّنته جملة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام.
كذلك التاجر منهيّ عن استغلال حاجة الناس، وهذا –يعني– يأخذ صورًا عديدة، كأن يعلم أن الناس في حاجة إلى سلعة ما فيتحكّم في السوق فيها، بهذه السلعة يتحكّم –إذا كان من الموردين– يتحكم عند تجار التجزئة أو عند منافذ البيع، يتحكم في السوق لعلمه باحتياج الناس إلى هذه السلعة، وهذا –يعني– فيه احتكار، وفيه استغلال، وفيه حرمان للمسلمين مما يحتاجون إليه، وهذا يتناقض مع مبدأ الأخوة الإيمانية، ونحن نعلم أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم –الذين عُرِفوا بأنهم كانوا أثرياء، وكانوا ذوي جِدَة وتجارة واسعة– كانوا حينما يحتاج المسلمون فإنهم يتصدقون عليهم، ما كانوا –يعني– يستغلون حاجتهم؛ فعل ذلك عثمان بن عفان، وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف، وفعل ذلك كثير من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم؛ لأنهم يبتغون ما عند الله عز وجل، وهذا يتناسب مع ما قرّرناه بدايةً من أن غرض المسلم –مستهلكًا كان أو تاجرًا– إنما هو رضا ربّه عز وجل، وإشباع رغباته الروحية الإيمانية قبل إشباع رغبات الكسب المادي العاجل القريب.
جميل.
كذلك من –يعني– الحقوق التي تكتنف التعاقد: النهي عن الغرر، فليس له أن يُغرّر بالناس في سلعته تلك، والغرر له صور كثيرة، منهيّ عن الجهالة، ليس له أن يبيع ما هو مجهول، أو أن يُجهِّل الناس، أن يَحملهم في بيعه، في ما يقدّمه لهم من سلع، أن يطوي عنهم –يعني– المعلومات اللازمة لهم، اللازمة لتعرّفهم على السلعة، وإلا كان ذلك من الجهالة المنهيّ عنها، والتي تؤثّر على عقد البيع نفسه.
هناك أيضًا ما يتصل بما بعد الصفقة؛ هناك أنواع من أنواع –يعني– الخيارات التي تُتاح لكلا الطرفين: هناك خيار الشرط، هناك خيار الرؤية، هناك خيار العيب، هناك خيار المجلس؛ هذه الحقوق بعد تمام الصفقة، حينما يكون –يعني– للأطراف أيّ من هذه الخيارات بحسب نوع المجلس ونوع العقد ونوع التشارط فيما بينهم، فإن الطرفين يضمنان حقوقهما على بعضهما البعض بعد تمام الصفقة، بحيث يمكن لهما أن يتراجعا، نعم.
أما بعض الحقوق، بعض أنواع الخيار، فهي –يعني– أنواع ملازمة للسلع نفسها، كخيار العيب؛ فإن ظهر عيب في السلعة لم يَعلمه المشتري، فإن له خيار رد هذه السلعة –كما بيّنا سابقًا– لأن خيار العيب مكفول له، جميل.
وكذا بالنسبة لخيار الشرط؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشد –عليه الصلاة والسلام– صحابيًّا كان يُخدَع في بيعه وشرائه، قال: «فإذا بِعتَ أو اشتريتَ فاشترط، وقل: لا خِلابَة»، فهذا لمن كان لا يُحسن البيع والشراء، فإن له أن يشترط الإمهال مدةً من الزمن، فإن كانت مدة معقولة، مدة يسيرة، يُقلِّب فيها الرأي، ويُشاوره أهل الخبرة، فإن انقضت المدة ولم يرجع على البائع بنقض العقد فالصفقة تامة، وإن ردّ خلال تلك المدة، فإن ذلك الحق مكفول له.
هناك أنواع من الخيارات –كما قلنا– لا داعي... بعضهم أوصلها إلى أكثر من عشرة أنواع، إلى 12 أو 13 نوعًا، نعم، ومنها ما هو مقبول عند جماهير أهل العلم، ومنها ما هو متحفظ عليه عند طائفة من أهل العلم، ومنها ما هو متفق على صحته، لكن هذه خيارات تضمن حقوق المستهلكين بعد تمام الصفقة.
هل هي مطبقة حاليًّا هذه الخيارات؟ نعم، صِيغت في شكل أحكام –يعني– فقهية، وفي حالة الخصومة فإنها –يعني– يُحتكم إليها قضاءً أيضًا، نعم.