⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد، سبح سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن هذا السؤال سؤال مهم جدا، ولا يمكن أن تنحصر الإجابة عليه في هذه الحلقة أو في حلقات معدودة، بل الإجابة عليه لو كتبت تستغرق مجلدات، ونسأل الله تعالى التوفيق لبيان الحق بقدر المستطاع، ونحن نقدم إلى الناس نبذة فيما يتعلق بهذا الجانب، ولا ريب أن من لم ينفعه قليل الحكمة لا ينفعه كثيرها، والعاقل يستوضح الحقائق من ومضات، ويستقل من إشاراتها، فحسب الإنسان أن يدفع به إلى فهم كتاب الله، وإلى فهم السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يرد إلى العقل السليم والفطرة السليمة، فإن ذلك مما يبصر الإنسان بالحقائق ويبعده عن الأوهام.
لا ريب أن الله سبحانه وتعالى لا يشبه شيئا، ولا يشبهه شيء، نصت النصوص القرآنية القاطعة بهذا، وهذا الذي يدل عليه العقل السليم، فالله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، ويقول سبحانه وتعالى في حق ذاته: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]، ويقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65].
فكل ما يتصوره الإنسان في ذهنه مما يتعلق بجلال الله، عليه أن يدرك أن الله سبحانه وتعالى بخلاف ذلك، إذ لا يدرك الله سبحانه وتعالى بالأفكار، ولا يمكن أن يحدَّ بمقياس من المقاييس؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد كان قبل أن يخلق أيَّ شيء، فهو الأزلي الأبدي الذي لم يسبق وجوده عدم، ولا يلحقه عدم، قد كان ولا زمانَ ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، الله سبحانه وتعالى لم يكن معه شيء في الأصل، قد كان ولا شيء معه، كما ثبت ذلك في حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه.
وهذا الذي تدل عليه النصوص القاطعة؛ لأن الله تعالى وصف نفسه بأنه خالق لكل شيء، فقد قال في وصف نفسه: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]، فكل ما عداه إنما هو مخلوق له، هو وحده الأزلي الأبدي، وفي أزله ما كان هناك زمان، ولا كان هناك مكان، لم تكن هناك أزمنة؛ لأن الأزمنة لم تُخلق بعد، ولم تكن هناك أمكنة؛ لأن الأمكنة لم تُخلق بعد.
فالله سبحانه وتعالى وجوده ليس وجودا ماديا حتى يقاس بوجود الماديات، وحسب الإنسان أن ينظر إلى أسرار الله تعالى في الخلق ليستقل هذه الحقيقة؛ فحسب الإنسان أن يفكر في روحه، هذه الروح يحيا بها ويحس بها، وهي التي تدفع إليه الطاقات المختلفة، ولكن هذه الروح مع كونها في جسمه لا يستطيع أن يبصرها بعينيه، ولا أن يمسها بيديه، ولا أن يسمعها بأذنيه، ولا أن يشمها بمنخاره، ولا أن يمصها بشفتيه، ولا أن يلحسها بلسانه، ولا يدركها بأي شيء من الطاقات الإدراكية التي معه، وإنما حسبه ما يرى من آثارها في نفسه فيؤمن بأنه ذو روح، وإذا كانت هذه الروح هكذا مع أنها هي مخلوقة، فكيف بالخالق العظيم؟ كيف بالذي خلق الروح؟ هل يمكن أن يُدرك بأي حاسة من الحواس أو يُشبَّه بغيره أيَّ ناحية من النواحي؟ كلا، لا يمكن أن يُشبَّه بغيره سبحانه وتعالى؛ لأنه هو الخالق لغيره، وما عداه مخلوق له، كل ما عداه إنما هو من خلق الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن يكون هنالك شبه ما بينه وبين غيره.
ثم من ناحية أخرى، كما قلنا: إن الله سبحانه وتعالى كان في الأزل، ولم يكن هنالك يمين ولا شمال، ولا فوق ولا تحت، ووجوده تعالى غير وجود مادي؛ إذ لا يشبه الماديات حتى يفتقر إلى مكان يستقر عليه، ويكون محدودا بحدود، محدودا بجهة يمنى، ومحدودا بجهة يسرى، محدودا بجهة فوقية، ومحدودا بجهة تحتيه، ومحدودا بجهة أمامية، ومحدودا بجهة خلفية، إنما الله تعالى وجوده وجود يختلف عن وجود كل كائن من الكائنات، فلذلك لا يمكن أن يقاس بالكائنات الأخرى.
ونحن نرى بطبيعة الحال أن هؤلاء الذين يحاولون أن يحصروا الله تعالى في جهة، وأن يصفوه بصفات تشبه صفات المخلوقين، إنما هم بنظرتهم المادية إلى الكائنات لا يستطيعون أن يفهموا وجودا غير وجود مادي، فلذلك شبَّهوا الله سبحانه وتعالى بالوجود المادي، وحصروه فيها، على أنه يترتب على ما يقولون الكثير من المحاذير.
فمما يترتب على ذلك: أنه لو كان سبحانه وتعالى محدودا بحدود، فهل يمكن أن يتجاوز تلك الحدود وأن يتمدد ويخرج عن هذه الحدود التي كان عليها، أو لا يمكن؟ فإن كان لا يمكن فهو عاجز، وكل عاجز ليس بإله، وقد وصف الله تعالى نفسه بالقدرة المطلقة، وإن كان يمكن فمعنى ذلك أنه متغير، وكل متغير ليس بإله. ثم ذلك الفضاء الذي يتمدد فيه ويزداد به، هل هو ذاته أو خارج عن ذاته؟ إن قيل: هو ذاته، فذلك مستحيل؛ إذ الشيء لا يمكن أن يزيد في نفسه، وإنما يأخذ من الفضاء الذي حوله، وإن قيل بأنه غير ذاته فمعنى ذلك أنه محتاج إلى الغير، وكل ما كان محتاجا إلى الغير فهو غير إله.
على أن كل ما يتغير من وضع إلى وضع، ومن حال إلى حال، فتغيره ذلك دليل حدوثه، ولذلك نجد حجة إبراهيم عليه السلام التي حكاها الله تعالى في كتابه، إنه عندما أراد أن يقيم الحجة على قومه الذين كانوا يعبدون الأجرام الفضائية، ويلهجون من دون الله سبحانه وتعالى على بطلان معتقدهم، انتزع لهم الدليل من حال هذه الأجرام، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 75-76]، إنما قال ذلك لأجل أن يقيم الحجة على قومه الذين يعتقدون بأن هذا الكوكب هو إله، ثم بين لهم بعد ذلك أنه لا يصلح للألوهية، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76]، مع أن أفول الكوكب لم يكن معنى ذلك أنه ينعدم ويزول، وإنما أفول الكوكب أن يوارِيَه الأفق، على أن هذا من حركة الأرض التي عليها إبراهيم عليه السلام، ولكن هذه حالة أثرت على الكوكب، وكل ما يتأثر بغيره فليس بإله.
فالله سبحانه وتعالى لو كان يتأثر بغيره، لو كانت الحادثات بعد أن خلقها تؤثر فيه فيتغير عما كان عليه بسبب خلقه لهذه الكائنات، لكان ذلك ناقضا لألوهيته، وكان ذلك دليلا على عدم أهليته للألوهية، تعالى الله عن ذلك، وإنما الله سبحانه وتعالى ثابت دائم على ما كان عليه، لا يعتريه التغير بأي حال من الأحوال.
ولا ريب أنهم بناء على هذا المعتقد الذي اعتقدوه قالوا بأنه يتنقل من مكان إلى مكان، بل قالوا: يتحول من صورة إلى صورة، ومن وضع إلى وضع آخر، وقد قالوا بأن الله سبحانه وتعالى ينزل بذاته من العرش الذي يحصرونه فيه إلى السماء الدنيا عندما يبقى الثلث الأخير من الليل، قالوا: بأنه ينزل بذاته إلى السماء الدنيا عندما يبقى الثلث الأخير من الليل.
وإن كان كما يقولون فلننظر متى يكون ذلك؟ قالوا: عندما يكون الثلث الأخير، متى الثلث الأخير؟ الثلث الأخير يدور بالكرة الأرضية باستمرار، فالإنسان في مكان ما يأتيه الثلث الأخير بحسب وضعه في ذلك المكان، ولكن من يقابله في تلك الجهة، من يقابله في الجهة الأخرى، بل قد يكون ذلك الثلث الأخير من النهار، وقد يكون ذلك الثلث الأوسط من النهار، بل في مكان ذلك الثلث الأول من النهار، وفي مكان آخر ذلك الثلث الأول من الليل، وفي مكان آخر ذلك الثلث الوسط من الليل، فهل معنى هذا أن الله سبحانه وتعالى يبقى بين العرش وسماء الدنيا نزولا وهبوطا بحسب اختلاف الأمكنة؟
فنحن نعلم أن الليل في اليابان وفي أستراليا يتقدم قبل ليلنا بزمن طويل، وكذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية يتأخر ليلهم عن ليلنا كثيرا، هناك مناطق في الولايات المتحدة الأمريكية عندما تشرق الشمس عندنا تغرب عندهم، وعندما تغرب عندنا تشرق عندهم، فمعنى هذا أن الأرض كرة، والثلث الأخير من الليل متغير.
على أن هذه الأرض لما كانت كرة هكذا، فالجهات الست إنما هي نسبية؛ الجهات الست من الفوق والتحت واليمين والشمال والأمام والخلف هي أمور نسبية، فما يقابل كل جهة إنما هو أعلى من تلك الجهة، ولكن لو قِيس إلى الجهة المقابلة لهذه الجهة السفلى فهناك الفوق بعكس ما هنا؛ فالفوق بالنسبة إلى من كان هناك الجهة التي هي أعلى من رأسه، والجهة التي هي أعلى من رأسه بالنسبة إلينا نحن هي الجهة التي تحت أقدامنا، ونحن بالنسبة إليهم جهتنا التي هي الفوقية عندنا إنما هي تحت أقدام أولئك، فإذا قضية الفوقية هي قضية نسبية، ليست قضية محددة، إنما هي قضية نسبية.
وعلى أي حال، بجانب هذا نرى كثيرا من كلامهم وكثيرا من نصوصهم تدل على الحيرة في هذا الأمر، فهم مما يقولون بأن الله تعالى أيضا يأتي بذاته يوم القيامة، ينزل إلى الأرض، سبحان الله، أَتَسَعُه الأرض؟ سبحان الله! وقد رووا روايات -مع الأسف الشديد- بأنه يؤتى به محمولا، تحمله أربعة ملائكة، محمولا على سرير من ذهب، تحمله أربعة ملائكة، فإذا كان الله تعالى بحاجة إلى سرير من الذهب فمعنى ذلك أن ذلك السرير هو أغنى من الله، تعالى الله عن ذلك، وإذا كان بحاجة إلى من يحمله فهو إذن مفتقر إلى أولئك، هذه أمور عجيبة.
وهناك من يروي روايات أن الله سبحانه وتعالى تحمله أربعة ملائكة: ملك في صورة إنسان، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، وهناك رواية أيضا بأن الله تعالى موجود في القنطرة الرابعة من قناطر جهنم، والناس يمرون عليه عندما يدخلون النار في القنطرة الرابعة، هذه عقائد كلها عقائد مبنية على مواريث وثنية، انتقلت من الوثنيين إلى اليهود من خلال عبادتهم للأجرام، وقد أثر ذلك في توراتهم المحرفة تأثيرا غريبا، حتى إنهم قالوا بأن الله سبحانه وتعالى -حسب ما جاء في التوراة- صارع إسرائيل فصرعه إسرائيل وركب فوقه، وطلب منه الفكاك والانفلات منه، فأبى عليه إسرائيل، حتى إنه ضرب حقوه، فصار إسرائيل يعرج في مشيه، قال: ولأجل ذلك لا يأكل بنو إسرائيل اللحم الذي هو لحم النَّسِي بسبب هذه الضربة، إلى غير ذلك من الأوهام والترهات التي مُلئت بها التوراة.
هذه الأوهام انتقلت إلى هذه الأمة تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»، فهم قالوا كمثل ما يقول هؤلاء اليهود، وهم نسوا أن الآيات الصريحة، آيات تنزيه لله تعالى، تنفي مشابهة الله سبحانه وتعالى لأي شيء من مخلوقاته، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء؛ لأن الله تعالى كان -كما قلنا- قبل خلق الزمان والمكان، وهو على ما عليه الآن، كان، لا يمكن أن يدرك بالحواس، ولا يمكن أن يقاس بأي شيء من الكائنات؛ لأن الكائنات كلها إنما هي مخلوقة لله سبحانه وتعالى.
ثم بجانب هذا أيضا نرى أن هؤلاء -كما قلنا- أهملوا النصوص المحكمات، وأخذوا بالمتشابهات، ونظروا إلى ظاهر هذه المتشابهات، فانحصروا في هذا الظاهر، ولم تفض بهم عقولهم إلى الحقائق التي يُراد بهذه الآيات المتشابهة، مع أن الله سبحانه وتعالى بين في كتابه الكريم أن الآيات المتشابهة يجب أن تُرد إلى المحكمات، قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ يتبعون ما تشابه منه، هؤلاء الذين يتبعون المتشابه، ويستمسكون بالمتشابه إنما في قلوبهم زيغ، زاغت قلوبهم، ولذلك نسوا المحكمات، وعولوا على المتشابهات، وفي قول الله تعالى في المحكمات: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ دليل على وجوب الرجوع إلى هذه المحكمات، والأخذ بهذه المحكمات؛ لأنه لو لم يُؤخذ بالمحكمات، وعُوِّل على المتشابهات، واتُّبعت المتشابهات، لأدى ذلك إلى نقض عقيدة الإسلام شيئا فشيئا.
فالله سبحانه وتعالى وصف المسيح عليه السلام بأنه كلمة من الله وروح منه، هل المسيح كلمة ملفوظة؟ لا، وإنما خلقه الله تعالى بكلمة منه، قال له: كن، فكان، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]، فهذا معنى كونه كلمة من الله، ومعنى كونه روحا من الله أنه سر من أسرار الله، ولا يعني ذلك بحال من الأحوال أنه جزء من الذات العلية، فهم لو أخذوا بهذه -أي بظواهر مثل هذه العبارات- لأدى ذلك بطبيعة الحال إلى الاعتراف بما يعتقده النصارى من ألوهية المسيح عليه السلام، ولكن يأبى الله ذلك.
وفي الرد على نصارى نجران عندما أرادوا أن يحاوروا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر نزل قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُّتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7]، هذا إنما نزل ردا على ما يقوله النصارى، فنحن لو أخذنا بهذه المعتقدات التي يعتقدها النصارى، أو أخذنا بهذا المنهج الذي أولوه، بحيث تُجرى النصوص على ظاهرها من غير أن تُؤوَّل، أما كان ذلك يؤدي إلى تناقضات عجيبة، كم من التناقضات!
نحن نرى أن هؤلاء يحصرون الذات العلية في العرش، ويقولون إن الله تعالى مستوٍ على عرشه، ولكن هناك نصوص لو أجروها حسب ظاهرها لأدى ذلك إلى تناقض بعيد مع هذا الذي يعتقدون، فالله تعالى يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: 85]، هل قرب هؤلاء المخاطَبين إلا قربا حسيا؟ فلو حُمل هذا اللفظ على ظاهره لأدى ذلك إلى التناقض، وكذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]، مع أن قرب حبل الوريد قرب حسي، ولكن لا يُحمل هذا اللفظ على هذا المعنى.
ونجد ابن القيم ذكر عن أبي عمر الطلمنكي أنه حكى إجماع أهل السنة على أن قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]، وقول الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ إنما يراد به أمره، أمرُ الله تعالى، فإذا كان هذا يُحمل على الأمر، مع أنه قال: «ونحن» وقال: «وهو»، ضمير يرجع إلى الله سبحانه وتعالى، ألا يُعد ذلك تأويلا؟ فلماذا يمنعون التأويل في بقية الآيات المتشابهات ويُجرونها على ظاهرها من غير أن يؤولوها أيَّ تأويل؟
على أن التأويل -كما قلنا- لا بد منه، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: 115]، فهم عندما يفسرون الوجه بالجارحة، ويحصرون الذات العلية في العرش، هل معنى ذلك أنهم يعتقدون أن وجه الله تعالى دلَّ من العرش إلى الأرض، فكأنه يملأ الأماكن، وحيث ما انصرف الإنسان واتجه في أي بقعة من الأرض كان وجه الله تعالى هناك في تلك البقعة؟ هذا كلام غريب.
كذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يبين في كتابه العزيز بيانات تقتضي استحالة صفات النقص عليه، وهناك آيات متشابهات لو حُملت على ظاهرها لأدت إلى وصفه تعالى بالنقائص؛ الله تعالى نفى عن نفسه النسيان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]، وحكى عن موسى قوله: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: 52]، ومع هذا، هناك آيات فيها وصف الله تعالى بالنسيان، لكن يجب أن يُحمل هذا النسيان على المعنى الصحيح الذي لا ينافي هذا المعنى، يجب أن يُؤوَّل تأويلا صحيحا، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: 34]، ويقول: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]، فكيف يُجمع بين قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، وقول موسى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾، وبين إثبات النسيان الحقيقي لله تعالى؟ ألا يقتضي هذا أن يُنفى النسيان عن الله سبحانه وتعالى رأسا، وأن يُؤوَّل النسيان بما يتفق مع تنزيه الله سبحانه وتعالى؟
ونجد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يحكيه عن الله سبحانه وتعالى ما يعرفنا بالمنهج الصحيح في هذا، فقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حدث عن الله عز وجل بأنه قال -عز من قائل-: «يا ابنَ آدمَ، مَرِضتُ فلم تَعُدْني»، فيقول: يا رب، وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: «مَرِض عبدي فلانٌ فلم تَعُدْه، ولو عُدتَه لوجدتَني عنده»، فنرى في الحديث نفسه أن الله سبحانه وتعالى أسند أولا المرض إلى نفسه، قال: «مَرِضتُ»، ثم بيَّن أن حقيقة المرض ليس هو واقعا عليه، وإنما هو واقع على عبد من عباده، ثم قال: «لو عدتني لوجدتني عنده»، هل معنى ذلك أن يلقى الذات العلية هناك، عند ذلك الذي يعوده؟
كذلك: «يا ابن آدم، استطعمتُك فلم تُطعِمني»، فيقول: يا رب، وكيف أُطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول له: «استطعَمك عبدي فلانٌ فلم تُطعِمه، ولو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي. يا ابنَ آدم، استسقيتُك فلم تسقِني»، فيقول: يا رب، وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول: «استسقاك عبدي فلان فلم تسقِهِ، ولو سقيتَه لوجدتَ ذلك عندي».
كذلك نجد في الحديث القدسي الثابت أن الله تعالى يقول: «مَن تقرَّب مني شبرا تقرَّبتُ منه ذراعا، ومَن تقرَّب مني ذراعا تقرَّبتُ منه باعا»، فإذا كانوا يفهمون أن الوجود الإلهي إنما هو وجود مادي، وأن وجوده سبحانه وتعالى في العرش، وأنه منحصر في العرش، تعالى الله عن ذلك، فإنه يلزم على هذا أن يكون هذا التقرب بالصعود، ومعنى هذا أن الذي يصعد بالطائرات إلى أعلى، أو بالمركبات الفضائية إلى أعلى، هو الذي يكون أحظى عند الله تعالى بالتقرب إليه؛ لأن الله تعالى ذكر التقرب، وذكر التقرب بالشبر والذراع، فكيف يكون تقرب الله تعالى من هذا العبد إلا أن يُحمل هذا على المعنى الصحيح؟
وكذلك في الحديث القدسي الذي جاء في صحيح البخاري أن الله سبحانه وتعالى يقول: «وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها»، فلو حُمل هذا الحديث على الظاهر، كيف تكون النتيجة؟ معنى ذلك أن الذي يتنفل، ويتقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة تكون يده هي الله، وتكون عينه هي الله، وتكون أذنه هي الله، وتكون رجله هي الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
كذلك نحن نرى بعض الأشياء لو حُملت على ظاهرها لأدى ذلك إلى التناقض العجيب لو لم تُؤوَّل، الله تعالى يقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17]، ففي أول هذا النص نفي الرمي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي وسطه إثباته له، وفي آخره إسناده إلى الله، فهل يُحمل ذلك على الظاهر؟ فإذا كان ذلك يُحمل على الظاهر فمعنى ذلك أن التناقض واضح في هذا، أولا نفي الرمي عن الرسول، ثم إثباته له، ثم إسناده إلى الله، ولكن يُحمَل على المعنى الصحيح: أنت ما سددتَ الرمي إذ رميت، ولكن الله هو الذي سدد الرمي، كما في قوله: ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 64]، أي ما أنتم الذين حافظتم على هذا الزرع حتى نمى وباركتم فيه فنما، وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي فعل ذلك.
فعلى أي حال، الدخول في مثل هذه القضايا دخول في متاهات عجيبة، وهؤلاء القوم حملوا أنفسهم أوزارا من هذه المعتقدات، ومما يُعجب منه أنهم يتشبثون بنصوص التوراة والإنجيل، فتجدهم دائما يستدلون بهذه النصوص على إثبات صفات المخلوق لله تعالى، ويجعلون ذلك حجة، وهذا كلام عجيب، حتى إن منهم من استدل بنص في الإنجيل: «أرأيتم إلى الطير فإنها تغدو خماصا وتروح بطانا، فإن أباكم الذي في السماء هو الذي يرزقهن»، واستدل بهذا على إثبات أن الله سبحانه وتعالى محصور في السماء، وهذا نص من الإنجيل، ومعنى هذا أنه يثبت لله تعالى أبوَّة، وهذا عكس ما دل عليه القرآن؛ الله تعالى يقول: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ﴾ [المؤمنون: 91]، ويقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان: 2]، ويقول الله سبحانه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]، ويقول: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]، إلى غير ذلك من النصوص التي تنفي عن الله تعالى صفة الوالدية، وهذا النص معناه إثبات صفة الوالدية، فهم يستدلون بهذا.
ثم من عجائب أمر هؤلاء الناس أننا نجدهم كثيرا ما يحملون حملات شعواء على من يستدل بحديث ضعيف في فضائل الأعمال، لو أخذ أحد بحديث ضعيف في فضائل الأعمال لشنوا عليه غارة شعواء لا تبقي ولا تذر، ولكن مع ذلك هم يستدلون بآثار غير ثابتة، وهي معزوَّة لا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا إلى الصحابة، بل إلى بعض التابعين، هناك آثار تُعزى إلى بعض التابعين، وجاءت من طرق ضعيفة جدا جدا جدا، ويجعلون ما في هذه الآثار حُجَجا قاطعة، ويكفرون من خالفهم فيها.
من جملة هذه الآثار رواية جاءت عند الخلال، وعند ابن جرير الطبري، من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد: أن الله سبحانه وتعالى يُقعِد يوم القيامة النبي صلى الله عليه وسلم بجنبه في العرش، فهم عوَّلوا على هذه الرواية، حتى إن الخلال دندن في كتابه المسمى «السُّنَّة» نحو أربعين صفحة فيما يتعلق بهذا الجانب، ونقل عن أئمتهم إثبات هذا، وأن كل من خالف هذا فهو كافر، وحده القتل، نقل عن الكثير في كتابه في هذه الصفحات أن من خالف هذه الرواية - وهي رواية غير ثابتة، وهي رواية تُعزى إلى مجاهد، قولُ مجاهد لو ثبت لا يكون حجة؛ لأنه لا يكون حجة إلا قول معصوم، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام - فكيف والرواية لم تثبت؛ لأنها جاءت من طريق ليث بن أبي سليم، وهم بأنفسهم قالوا بأن ليث بن أبي سليم لا تُقبل روايته، هو أضعف ما يكون، وهو ليس بشيء؛ صرح بهذا يحيى بن معين، وصرح بهذا أحمد بن حنبل، وروى ذلك ابنه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وغيرهم من أئمة الحديث، قالوا: ليث بن أبي سليم لا تُقبل له رواية، ولكن هذه الرواية لموافقتها لهواهم عوَّلوا عليها كل التعويل، وجعلوها ركيزة في المعتقد، مع أن القضية تتعلق بالاعتقاد، لا تتعلق بالعمل فحسب، بل تتعلق بالاعتقاد.
وهم الذين يحملون حملات شعواء على من عمل برواية مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في إسنادها ضعف، ولو لم تخالف رواية صحيحة، ولو لم تعارضها رواية أقوى منها، فكيف هم في قضايا الاعتقاد يعولون على هذه الآثار الباطلة التي جاءت من طرق غير صحيحة، ويجعلونها حجة قاطعة، حتى أفضى بهم هذا إلى تكفير الترمذي، والكلام موجود في كتاب الخلال، وهناك نص من عدة صفحات، كُتِب فيه تكفير للترمذي؛ لأنه رد هذه الرواية، ولم يقبلها، ولم يعرِّج عليها.
فانظر كيف تجرؤوا على تكفير مسلم من أئمة الحديث من أجل مخالفته لهم في رواية باطلة، لا يصح سندها، فضلا عن بطلان متنها، وفضلا عن دلالة العقول على بطلانها، وعدم صحتها بأي وجه من الوجوه، ومع هذا كله هم يجعلون أمثال هذه الآثار الباطلة هي الحجة الدامغة التي يُعارَض بها نصوص القرآن، بل عندما تأتيهم نصوص قرآنية تعارض هذه الآثار يعرجون على هذه الآثار تعريجا عجيبا.
فنجد البربهاري في كتابه «شرح السنة» يقول: إذا سمعتم الرجل يريد القرآن ولا يريد الآثار فاتهموه بالزندقة، من يريد القرآن ولا يريد الآثار يُتَّهَم بالزندقة! يتجاهل هو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]، وقول الله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، وقوله: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: 2]، وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: 3]، يتجاهل هذه النصوص، ويتجاهل قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: 99-101]، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]، فهم يعرجون على هذه الروايات اتباعا للهوى، ويقولون بأن من يتمسك بالقرآن، ومن يعارض هذه الروايات بنصوص القرآن فهو يُتَّهَم، هذا أمر عجب! أيقول مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر بأن من يتمسك بالقرآن الكريم، ومن يتبع هدي كتاب الله سبحانه وتعالى، ويترك هذه الآثار الباطلة، هو المتَّهَم، ويعرج على هذه الآثار الباطلة، ويعول عليها في بناء العقيدة؟ كيف تقوم عقيدة على مثل هذه المعتقدات الباطلة، على مثل هذه الأدلة الباطلة، بل هي شبهات ليست بأدلة؟
ونحن نرى أن فتح هذا الباب أدى بهم إلى بعيد، أدى بهم إلى الإتيان بالعجب العجاب من روايات لفقوها، وعزوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسبوا إليه فيها العظائم، بل وصفوا الله سبحانه وتعالى فيها بالعظائم، من بين هذه الروايات ما رواه الأهوازي يعزوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم -وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك- نسبوا إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لما خلق الخيل أجراها فعرقت فخلق نفسه من عرقها»، أعوذ بالله، أي عقل يستسيغ هذا؟ ما معنى «خلق نفسه»؟ الخلق هو الإخراج من العدم إلى الوجود، فهل معنى هذا أن الله سبحانه وتعالى كان عدما ثم أخرج نفسه من العدم إلى الوجود، وكون نفسه من عرق الخيل، والخيل مخلوقة، وعرق الخيل مخلوق خارج من مخلوق؟
هم مع هذا يقولون بأن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر، من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر، بينما لا يرون حرجا أن يُقال بأن الله سبحانه وتعالى خلق نفسه من عرق الخيل، لكن اللفظ الذي هو من فعل المخلوق، والذي هو صوت المخلوق، والذي هو من شأن المخلوق، يقولون بأنه من قال بأن هذا اللفظ عندما يقرأ القرآن… هذه أمور عجيبة.
وهناك -على أي حال- الكثير من الملاحظات العجيبة التي تُلاحَظ على هذا المعتقد، لا يمكننا الآن في هذه الحلقة القصيرة أن نستوفيها، بل لا يمكن أن نعرِّج عليها، وإنما نقول: إن هذا المعتقد لا ريب أنه يفتح باب الإلحاد؛ عندما يتصور الإنسان ربه سبحانه وتعالى تصورا ماديا، ولا يفهم الحقيقة الإلهية إلا بهذا التصور المادي، وهذا بطبيعة الحال عندما تنكشف الأمور بخلاف ما هم يقولون، هذا هو الله، وهذه هي صفة الله، وهذه هي الحقيقة الإلهية، وعندما تنكشف الأدلة الكونية دالة على خلاف ذلك، فبطبيعة الحال يؤدي إلى أن يكفر الناس بالإله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فنسأل الله تعالى أن يوفقنا لتنزيهه، وأن يصون عقيدة الأمة من هذه الترهات، وأن يطهر أدمغة الأمة من هذه المعتقدات الباطلة، والله تعالى ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.