⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: التغني بالقرآن حُمل على محملين في ذلك الحديث.
من الناس من قال بأن التغني بمعنى الاستغناء، ذلك لأن "تفعَّل" و"استفعل" يترافدان، ومن من نص على هذا من اللغويين الجوهري والهروي، وكذلك من المفسرين اعتمد على ذلك القرطبي في تفسيره؛ هؤلاء قالوا بأن التغني إنما هو الاستغناء، ومعنى ذلك معنى الحديث الشريف: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» أي: من لم يستغنِ بالقرآن، بحيث لا يرى أنه بحاجة إلى غير القرآن، بحاجة إلى أن يستمد الهداية من غير القرآن، أو بحاجة إلى أن يعتمد على غير القرآن؛ فمن لم يستغنِ بالقرآن فليس منا.
ولا يعني ذلك بحال من الأحوال أن يستغني بالقرآن عن السنة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؛ لأن السنة النبوية إنما هي امتداد للقرآن، وكثير مما في القرآن ومُجملِه لا يمكن أن يُفهم إلا بمعرفة السنة النبوية، والنبي صلى الله عليه وسلم وكل الله تعالى إليه تفصيل مجملات القرآن وبيان مهماته، يقول تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. نعم، وهكذا العلوم التي يتوقف فهم القرآن وفهم الحديث الشريف عليها، جميع هذه العلوم لا بد من الرجوع إليها، لكن هذا لا يعني أن يُقدَّم على القرآن غير القرآن، هذا هو معنى الحديث بناء على تفسير طائفة من العلماء، كما قلت من المفسرين اعتمد هذا التفسير القرطبي، واللغويون نصوا على ذلك، ولهذا شواهد كثيرة من الكلمات يتراادف فيها "تفعَّل" و"استفعل": استكبر وتكبَّر، كل منهما يؤدي إلى معنى واحد، وهكذا.
ومن العلماء من فسر التغني هنا بترقيق الصوت وتحسينه، حتى يكون الصوت صوتا جميلا، صوتا فيه رِقَّة، بحيث يشد سامعه، ويلفت انتباهه إلى القرآن الكريم، وهذا كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم: «لو علمت أنك تستمع إليّ لحبَّرته لك تحبيرا» أو كما قال، فهذا هو المقصود.
وعلى أي حال، الإنسان يُؤمر أن يقرأ القرآن قراءة ليس فيها ما يؤدي إلى الخروج عن طبيعة القراءة، وليس فيها ما يتجاوز الحدود؛ المدود تكون بحد معين في مواضعها، والغنة كذلك في موضعها، والإدغام في موضعه، والإظهار في موضعه، كل شيء إنما هو يكون في موضعه، فلا بد من التزام ذلك، لا أن يشتغل بالألحان التي تؤدي به إلى أن يخرج عما هو معهود طبيعيا في القراءة، على الإنسان أن يلتزم ذلك. فالحديث الشريف إنما يحمل على أحد هذين المحملين، وفي ذلك ما يغني عن التكلف إن شاء الله.