⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
إن الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته أن تفنى القرون قرنًا بعد قرن، ولكن شتَّان بين فناءٍ وفناءٍ؛ ففناءٌ في سبيل الله تعالى يعقبه البقاء في النعيم المقيم في ظلال رحمة الله تعالى والرضوان، وفناءٌ في سبيل الشيطان يعقبه سخط الله تعالى ونِقَمُه التي تتوالى على هؤلاء في الدار الآخرة، مع توالي اللعنات التي تُصَبُّ عليهم في الحياة الدنيا.
والإنسان له مُعتَبَر من هلاك القرون الخالية؛ فإن الحق سبحانه وتعالى عندما ذكر هلك فرعون وآله قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: 26]، وقد دعا إلى النظر في مصير القوم الظالمين؛ فقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: 6].
ويبيِّن سبحانه وتعالى أن أولئك الغابرين قد أوتوا من القوة ما لم يُؤتَ مَن جاء من بعدِهم، وأن الله تعالى مكَّن لهم من عمارة الأرض أكثر مما مكَّن لمن بعدهم؛ فقد قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: 9].
نعم، على رغم تقدم العمران، وعلى رغم تطوره تطورًا مذهلًا، إلا أنه يبدو أن القرون الخالية عمرت هذه الأرض أكثر مما عمرها من جاء من بعدهم إلى وقتنا هذا؛ فمع وجود الإمارات التي تُسمَّى الآن ناطحات السحاب، إلا أن هذه الإمارات لا تزال هشَّة، لا تستطيع مقاومة الزمن، بينما العمارات السابقة كانت عمارات صلبة؛ فهذه الأهرامات شاهدة على ذلك، وهذه مدينة البتراء شاهدة على ذلك، وكذلك جرش، وكذلك الحصون والقلاع التي شادها الرومان وشادها غيرهم من القرون الخالية هي دليل على ما وصل إليه الإنسان من القوة، ووصل إليه من التمكين في هذه الأرض.
أنا بنفسي وقفت على بعض الحصون التي شُيِّدت بالصخور، والصخور منظَّمة تنظيمًا ومصفَّفة تصفيفًا عجيبًا، وقد قِسْتُ صخرةً من هذه الصخرات فوجدتُها تطول نحو خمس عشرة ذراعًا، وارتفاعُها نحو خمسة أذرع، وعَرْضُها ذراعان؛ من الذي كان يحمل هذا الصخر حتى يصفِّفه بعضه على بعض؟ أليس ذلك مما يدل على ما أوتُوا أولئك من قوة، وما كان لهم من تمكين؟ ولكن مع ذلك كلِّه بادت هذه القرون.
وقد اطَّلعت فيما اطَّلعت عليه أن أحد علماء الآثار الأمريكيين اكتشف المملكة التي كانت تُسمَّى مملكة كِيش الأولى، وقد تعاقب على الحكم في هذه المملكة ثلاثةٌ وعشرون ملكًا حكموا بلادَ ما وراء النهر، حكموها لمدة أربعةٍ وعشرين ألف عام، ومعنى ذلك أن نصيب كل واحدٍ منهم في الحكم كان أكثر من ألف عام، ثم كانت من بعدِها مملكة أُوروك الأولى التي دامت ألفين وأربعمائة عام، وقد حكم فيها أحدَ عشرَ حاكمًا، ومعنى ذلك أن نصيب كل واحدٍ منهم كان في الحكم أكثر من مائتي عام؛ هذا كله مما يدل على أن أولئك مُكِّن لهم ما لم يُمكَّن للذين جاءوا من بعدهم، كما يؤذن بذلك القرآن الكريم؛ فقد طالت أعمارُهم، وأُمهِلوا، واستطاعوا أن يبسطوا نفوذهم، وأن يتمتَّعوا بمتَع هذه الحياة مددًا متطاولة لم يتمتَّعْها من جاء من بعدهم، ثم كُتِب عليهم الهلاك والفناء.
والله سبحانه وتعالى يبيِّن لنا كيف كان قطعُ دابر هؤلاء، إنما قُطع دابرُهم بالفساد، قُطع دابرُهم بالظلم؛ فلذلك كانت اللعنات تُصَبُّ عليهم بسبب ظلمهم وبغيهم وبَطْشهم وسوء معاملتهم لعباد الله، وتألُّههم في هذه الأرض، واستعلائهم على خلق الله، ومنازعتِهم لله سبحانه وتعالى سلطانَه في هذه الأرض، بحيث أرادوا أن يبسطوا نفوذهم، وينفِّذوا أهواءهم دون ما أمرهم الله تعالى بإقامته من الإنصاف بين عباد الله تعالى، والحكمِ بالسَّوِيَّة بين خلقِه، فلذلك بادوا، وبادت دولهم، واندَرست آثارهم، وأُجهِدت أسماؤهم.
هذه سُنَّة الله؛ إلا من ذُكِر في القرآن بقي هؤلاء المذكورون بألقابهم المذكورة كفرعون، أو بقي ذكر قوم عاد، أو ذكر ثمود، أو ذكر هؤلاء الظلمة أصحاب المؤتفكات وأصحاب مَدْيَن وغيرهم، بقي ذكرهم العام في كتاب الله تعالى، أما أسماؤهم فقد اندرست، ونحن لا نعرفها، مع أن الله سبحانه وتعالى بَيَّن لنا أن أولئك كان لهم نفوذ، وكانت لهم قوة ضاربة في هذه الأرض، إلا أن الله سبحانه وتعالى جعلهم عبرةً لِمَن جاء من بعدِهم.
وكذلك أخذُ ربِّك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إنَّ أخذه أليم شديد، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: 103-105].
فالإنسان عليه أن يُؤدِّي الاعتبار، ونحن لا نعجب، حسبنا ما نراه الآن بأبصارنا، حسبنا ما نراه من آيات الله تعالى في الأنفس وفي الآفاق؛ كم من متسلِّط في هذه الأرض يظن أنه يطأ الأرض من علٍ، وينطح الجوزاء بفوديه، وإذا به يجعله الله تعالى عبرةً لمن اعتبر.
كيف تتطاول هذه الأمم على الله سبحانه وتعالى، وتنسى الله سبحانه وتعالى، وتتحدَّاه في حُكمه وفي أمره، وتستعلي على عباد الله تعالى، وإذا هي تَبيد أمةً بعد أمة؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].
نحن نرى الآن أمة اليوم –مع ما وصلت إليه من الرقي، وانفتاح آفاق العِلْم لها، وتبوُّئها في على منصَّة الحضارة مَبْوَأً بهر العقول– ولكن مع ذلك أوتُوا من حيث لم يحتسبوا، أوتُوا من حيث ظنوا أنهم أخذوا جميع احتياطاتهم، وأحاطوا أنفسهم بسورٍ من الأمان، وإذا بهم يُؤتَون.
وهذه الأمة بحاجةٍ إلى من ينتشِلُها من هذا الضياع، وبحاجةٍ إلى من يُنقِذُها من هذا الغَرَق، ولا يُنقِذُها إلا الإيمان، واتباع الرشد الذي جاء به القرآن، والاستمساك بالعُروة الوثقى، والإيمان القاطع بالله سبحانه وتعالى وبرسله، واتباع هؤلاء الرسل ممثَّلين في شخص الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام الذي جاءت رسالته مهيمنةً على الرسالات السابقة، والله تعالى المستعان.