⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذا الحديث، وهو طبعًا هذا المقدار الذي ذكرتموه جزء من حديث يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، من الأحاديث التي تحتاج إلى شيء من النظر والتمحيص، ذلك أنه جاء من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، وهو مختلف فيه.
ومن المعلوم أن الراوي تارة يكون ثقة ثبتًا في روايته فيصحح له إذا توافرت بقية الشروط الأخرى التي تقتضي صحة الحديث، وتارة يكون الراوي ضعيفًا أو كذابًا أو ما شابه ذلك فتُرد روايته ويُحكم عليها بما تقتضيه الصناعة الحديثية، إلا إذا كان الضعف خفيفًا ووجد له ما يشد من عضده من متابع أو شاهد صالح لذلك.
فالعلاء بن عبد الرحمن مختلف فيه كما قلت، ضعفه بعض العلماء وقوّاه بعض العلماء، على أنه حتى عند الأكثرية الكاثرة ممن وثّقه وسط، وليس بذلك الضابط المتقن، وقد استُنكرَت له بعض الأحاديث، ومن الأحاديث التي استُنكرَت له ذلك الحديث المشهور عند الناس «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» الذي فيه النهي عن الصيام إذا انتصف شهر شعبان؛ فهو حديث قد استنكرته طائفة كبيرة من أهل العلم، والأمر كذلك لمخالفته لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث –أعني الحديث الذي ورد عنه سؤال– وإن تُوبع عليه، لكن تلك المتابعة ليست مما يُعتمد عليه، وكذلك قد جاء معناه من طريق جابر، وجاء كذلك من طريق أنس رضي الله عنهما، ولكنهما من الضعف بمكان.
فهذا الحديث قد قوّاه بعض العلماء، وهو محتمل للتحسين نظرًا إلى أن الراوي له وسط، ولكن مع ذلك هذا التحسين لا بد من النظر إليه؛ فالحديث ليست فيه نكارة حتى نرده، ولكن أيضًا الاحتمال وارد؛ لأن تلك المتابعة وكذلك بالنسبة إلى الشاهدين لا يمكن أن نعوِّل عليها، فهو محتمل للتحسين على رأي بعض أهل العلم بأنه حسن، بل صححه بعضهم، وهو محتمل للحكم بأنه حسن، أما التصحيح ففيه نظر لا يخفى على المتأمل المنصف.
فإذا على رأي بعضهم يكون حسنًا، أو ينبغي أن يُحكم له بالحسن لعدم شدة نكارته، ومن تجنب روايته مخافة أن يقع في المحظور أو من أجل الاحتياط والسلامة فذلك حسن. فأنا في كثير من الأحيان عندما أجد مثل هذا الحديث أتوقف عن روايته، لا سيما أنه لا يتعلق به حكم من حيث الوجوب أو الحرمة أو الندب أو الكراهة أو الإباحة.
نعم، ما قضية الخير والشر؟ أن الإنسان عليه أن يعمل بالخير وأن يتجنب الشر… أما قضايا الخير وقضايا الشر فهذه ثابتة بأدلة واضحة جلية، والامر واضح بل أوضح من الواضح، فلا يحتاج أن يُستدل عليه بمثل هذا الحديث.
وخلاصة الأمر فيه: أن من أورده في بعض دروسه ومحاضراته نظرًا إلى أن بعض العلماء قد قوّى من أمره وهو محتمل لذلك فلا بأس عليه، ومن احتاط فذلك خير بمشيئة الله تبارك وتعالى.