✓ تم نسخ الرابط
أثر الصيام على الخصومات
كيف يربي المسلم نفسه في رمضان على كظم الغيظ وترك الخصام بقوله (إني صائم) حتى يستمر هذا الخلق بعد رمضان؟
⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلا ريب أن الإسلام يرعى الجانب الاجتماعي الذي يشد الإنسان إلى الإنسان، ويقوي الصلة بين الأقربين، ويقوي الصلة بين المؤمنين، ويقوي الصلة بين ذوي العلاقات المختلفة، لأن الإنسان كيفما كان إنما ينحدر من أصل واحد، فجميع فروع الإنسان وإن اختلفت أجناسها أو اختلفت ألوانها أو اختلفت أوضاعها الاجتماعية وغيرها هي خارجة من أصل واحد، وهذا ما يؤذن به قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
ومن أجل هذا حسم الإسلام هذا الموضوع، ولم يُبقِ للناس سبيلا إلى التفاخر بالأنساب، أو التعالي بالأحساب، أو استعلاء أي إنسان على غيره بأي شيء كان، وهذا واضح فيما أدب به الإسلام أتباعه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 11-12]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم جاءت لتؤكد هذا إذ هي تصب في هذا المصب، ونحن نرى أن العبادات المشروعة بأسرها تمثل العلاقات ما بين البشر، وتنتزع السخائم والأحقاد من نفوسهم، وتجعلهم إخوانا متوادين في ذات الله تعالى.
فكل عبادة يمارسها الإنسان وهي عبادة خالصة لوجه الله الكريم تنبعث من أعماق نفسه وهو يشعر بمسؤوليتها أمام الله سبحانه وتعالى، ويشعر أيضا أن هذه العبادة هي صلة بينه وبين الله تعالى، لا ريب أن هذه العبادة تنتزع من نفسه السخائم والأحقاد، فما كان ينبغي لمؤمن أن يستمر في خصام مع أخيه حتى يأتي رمضان، إذ كم من العبادات التي تمر به، حسبه من ذكر الله سبحانه وتعالى، حسبه من الصلاة التي تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل، وفي كل ركعة من ركعاتها يكرر قول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ليرى أن هذه العبادة وإن كانت هي الصلة بين العباد وبين ربهم، ولكن تُقدَّم إلى الله تعالى بطريقة جماعية لأجل التوحيد بين مشاعر المؤمنين، والتأليف بين قلوبهم، والربط بينهم ليكونوا كتلة واحدة، يصدق عليهم وصف الله تعالى لهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، ووصف الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
فالعبادة التي هي صلة بين العبد وربه لم يكن تقديمها إلى الله تعالى بصيغة فردية، إذ لا يقول كل عابد: إياك أعبد وإياك أستعين، وإنما يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ليدخل في ضمن العابدين، متحدا معهم، مرتبطا برباطهم، شاعرا بإحساسهم، معتقدا لما يعتقدون، متكيفا وفق ما يفعلون من أعمال الخير.
فإذا هذه العبادة تُقدَّم إلى الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة، أليست حَرِيَّةً أن تجعل هذا المسلم الذي خاصم أخاه أو كان بينه وبين أخيه ما كان من النزاع بحيث أخذتهما نزغة شيطانية فاقتتلا، ألا يجدر بهذا المسلم أن يراجع نفسه وهو يمثل أمام الله؟ ألا يستحيي أن يقول لله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وهو لا يطبق ما تقتضيه هذه العبادة من الوحدة الإيمانية التي تربط ما بين هذه القلوب، وتوحد ما بين هذه المشاعر، وتؤلف ما بين هذه النفوس؟ بلى، إنه لجدير بكل واحد منهما أن يراجع نفسه، وأن يكون أسرع إلى صلته بأخيه.
وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن أقصى ما يمكن أن يتسامح فيه عندما يكون خلاف بين اثنين إنما هو ثلاثة أيام، أما ما فوق ذلك فلا يجوز، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لامرئ مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
فإذا اختصم المؤمنان ومرت عليهما ثلاثة أيام فحسبهما ذلك، إنما أمهل إلى هذه الثلاثة الأيام لأجل أن يفكر، ولأجل أن يراجع كل واحد منهما حساباته، ويفكر في أمره: لماذا يخاصم أخاه؟ فينبغي لكل واحد منهما أن يكون أسرع خطى إلى الآخر، وكل من كان أسرع خطا إلى الآخر كان أقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأعلى درجة، وأرفع منزلة، بخلاف الذي يتباطأ، فإن الذي يتباطأ فهو أبعد ما يكون عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وأبعد ما يكون من القرب من منازل الزلفى عند الله، وأبعد ما يكون عن الارتقاء إلى الدرجات العلى حسب موازين الله سبحانه وتعالى.
فلا ينبغي لمسلم أن ينتظر حتى يأتي رمضان، وما يدري لعل ريب المنون يوافيه قبل ذلك، فهو متوعد بالموت، فكيف ينتظر إلى أن يأتي رمضان؟ وكيف يأتي رمضان بألطافه وبشائره وبنفحاته وبخيراته وببركاته وهو لا يتأثر بهذا حتى يبادر إلى حسم هذه الخصومات التي كانت بينه وبين أخيه؟
لا ريب أن الصيام نفسه مرقق للمشاعر، موحد للنفوس، مربٍّ لها على طاعة الله سبحانه وتعالى، مكيِّف لأفعال الصائم وفق مقتضيات أمر الله، لأن مدرسة الصيام مدرسة للتقوى، كما يؤذن بذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 183-184]، ويقول سبحانه وتعالى في خاتمة آيات الصيام: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187]. فإذا التقوى هي المطلوبة، وهل من التقوى أن تكون هنالك خصومة بين المسلم والمسلم؟ مع أن قلب المؤمن لا يحمل حقدا على المؤمنين.
نحن نرى كيف يصف الله سبحانه وتعالى خير القرون الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، يصفهم بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، فهم رحماء بينهم، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]، أذلة على المؤمنين أي كل واحد منهم يذل نفسه تجاه الآخر، بحيث يحاول أن يوطئ أكنافه، ويحاول أن يخضع لأمر الله تعالى في معاملته لأخيه المعاملة الحسنة المطلوبة.
فكيف مع هذا يستمر الحقد بين الاثنين؟ أما تكفي هذه العبادات لأن تكون سيلا دفاقا يأتي على آثار هذه الأحقاد فيكتسحها؟ أولا تكفي هذه العبادات لأن تشعشع أنوارها في نفوس هؤلاء حتى يبصروا الحقيقة، ويدعوا هذه الأهواء، وهذه النزغات، وهذه التصرفات الهوائية الرعناء التي لا تعود على أي أحد منهما بالمصلحة؟ إنما الواجب السعي في إصلاح الإنسان نفسه، وإصلاح ما بينه وبين أخيه، وحسبه أن رمضان المبارك فيه عبادة الصيام التي تهون على الإنسان ما يصيبه من قبل الآخرين كيفما كان وقعه على النفس، فإن أحد سابه أو قاتله فليقل: إني صائم.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١/٥/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬
فتاوى - الشيخ أحمد الخليلي - ليلة 11 رمضان 1429 هـ
العقيدةالمسائل المتنوعة في الصوم
✦ فتاوى مشابهة
أثر الصيام خارج رمضان
2 👁هل للصيام أثر في غير رمضان كما له أثر في رمضان؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
١٨/٦/٢٠١٥الغيبة حال الصيام
2 👁كيف يتوب من كان يجهل حكم الغيبة ووقع فيها وهو صائم، وهل يقضي ذلك اليوم.
👤ماجد بن محمد الكندي
٢/٨/٢٠٢٥حكم الغيبة وأثرها على الصوم
3 👁هل يعتبر الحديث عن أخطاء الناس أمام آخرين من الغيبة، وهل الغيبة تؤثر في صحة الصيام؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦/٤/٢٠٢٢الغيبة وحكمها للصائم
2 👁هل ذكر شخص بما فيه على سبيل الحقيقة يعتبر غيبة، وما علاقتها بتفطير الصائم؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩/٥/٢٠١٧المحافظة على مكاسب رمضان
2 👁كيف يحافظ المسلم على حالته الروحية ومكاسبه الإيمانية بعد شهر رمضان مع انشغالات الحياة وكفاحها؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤/٥/٢٠٢١ربط الصيام بالحياة اليومية
2 👁كيف يمكن ربط عبادة الصيام ببرامج الحياة اليومية للمسلم وآثاره في تنظيم حياته؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣/٣/٢٠٢٣