⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن الإنسان مسؤول عن كل جزء من حياته، فالحياة هي الوعاء العام الذي تنصب فيه نعم الله تعالى على الإنسان، لذلك كان جديرا بالإنسان أن يحفظ هذا الوعاء لئلا ينخر فتتساقط منه هذه النعم، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على عِظَم المسألة وخطورة الموقف، فالإنسان الذي يفرط في حياته إنما فرَّط في نعم الله تعالى بأسرها.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ».
على أن هذه الحياة يمر فيها الإنسان بمحطات، هذه المحطات يجب أن يقف فيها ليحاسب النفس على ما قدم وأخر، ليحاسب النفس على المراحل التي قطعها، إذ لا يدري هل سيقطع شيئا من أمثالها، أو أن أمد الحياة قد انتهى إلى حيث وصل، فلذلك كان الإنسان من الواجب عليه عندما يقف بهذه المحطات أن يكون دقيقا في محاسبة النفس، وقد قيل: بأن الإنسان لا يصل إلى درجة المتقين حتى يكون أشد محاسبة للنفس من الشريك الشحيح والسلطان الغشوم.
فمن هنا عليه أن يكون دقيق المحاسبة، شديد المراقبة لنفسه، وهو يمر بشهر رمضان الكريم، هذا الشهر هو محطة كبرى لمحاسبة النفس، طوى ما بينه هذا الشهر وما بين مثيله عاما كاملا، ماذا قدم في هذا العام؟ وكيف يفرط في هذه الفرصة التي هي بين يديه، فرصة للتوبة وإصلاح ما فسد، فرصة لتجديد العهد، عهد التقوى والصلاح والاستقامة مع الله تبارك وتعالى، فرصة للتعويض عما فاته في الأزمنة الغابرة، فرصة لتبديل حياته وتغيير صفحتها من الانحراف إلى الاستقامة، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشد، ومن الفساد إلى الصلاح، فلا ينبغي أن يفوت هذه الفرصة.
ومن فوَّتها بقضاء وقته في الملاهي، أو الاستماع إلى هذا الحديث أو ذاك، أو متابعة المسلسلات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، أو متابعة السهرات مع الناس في حديث لا فائدة من ورائه إلا إماتة الوقت فحسب، بل وإماتة القلوب، وإماتة الضمائر، فمن كان كذلك فقد أضاع الفرصة.
لا ريب أن الإنسان لا يُحرَم من متع الحياة في شهر الصيام، وهذا ما نبه عليه القرآن الكريم عندما يقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ، هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187]، فلا يُمنع الإنسان من أن يكون بينه وبين أهله اتصال في شهر رمضان إن لم يكن في حال الاعتكاف، أي في الليل نعم دون النهار، ومهما يكن فإن هذه الفرصة التي أُعطيت للاستمتاع إنما ما هي لأجل أن يتقوى ويَنشَط على الطاعة، لا لأجل أن ينهَمِك في الشهوات، وأن يسترسل في الرغبات، ويدع طاعة الله تعالى وراء ظهره.