⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الله سبحانه وتعالى لم يكلف عسيراً، وإنما كلف يسيراً، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، الله سبحانه وتعالى فرض الحج لمصلحة العباد، وقد أخبر سبحانه بأن في الحج منافع للناس: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾.
أولاً: يجب أن يُعلَم الإنسان أن الحج إنما هو في الرضا على المستطيع، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فالحج واجب على من ملك الاستطاعة، الاستطاعة هي الاستطاعة البدنية والاستطاعة المالية؛ الإنسان الذي لا يجد الزاد الذي يُبلِّغه الحج، والراحلة أو آلة الركوب التي تُبلِّغه إلى الحج، أي لا يستطيع سبيلاً إليها لفقره وحاجته، فإنه لا يُكلَّف الحج، إنما الحج على المستطيع.
وكذلك بالنسبة إلى المريض الذي هو غير قادر على ممارسة الحج بنفسه، فإن له أن يُنيب غيره إن كان واجداً للمال الذي يمكنه من أداء هذه الفريضة لولا المرض الذي يعوقه عن ذلك.
كذلك لو جئنا إلى المناسك لوجدنا المناسك كلها ميسَّرة؛ الله سبحانه وتعالى جعل الإحرام ميسَّراً ليست فيه معاناة وليست فيه مشقة، وإن كان الإنسان يخرج عن مألوفه، ولربما كان الخروج عن المألوف فيه شيء من المشقة، إلا أن هذا الخروج لما كان لطاعة الله وانقياداً لأمر الله يجد الإنسان فيه لذة، حسبه أن يكون في إحرامه هذا ما يذكره بالتجرد لله سبحانه وتعالى والالتزام بأمره، ليتجرد في حياته لأمر الله وينقاد لحكمه، ويتمكن من السيطرة على نزعاته ونزغاته، وأن يكون مهيمناً على حركاته وسكناته.
ثم الذكر المشروع ليست فيه مشقة، يُلبِّي الإنسان بقدر استطاعته؛ عندما يبحُّ حلقه ولا يتمكن من مواصلة التلبية، فليلبِّ خفية، ليُلبِّ سراً إن كان غير قادر على الجهر بالتلبية، أو ليسكت فترة ما ويُلَبِّ الآخرون، وإنما يشاركهم الإحساس بهيبة الموقف والإحساس بعِظَم الذكر.
لو جئنا كذلك إلى الأعمال التي يمارسها الحاج في حجه فإن هذه الأعمال إنما تُؤدَّى بطريقة فيها يُسر؛ النبي صلى الله عليه وسلم درأ عن الناس كل ما فيه مشقة، لما كانت حجته صلى الله عليه وسلم تجسيداً وترجمة لمناسك الحج حتى يتلقى الناس عنه مناسكهم، كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على التنبيه عندما يكون أمر من الأمور حُكمه أوسع من فِعله صلى الله عليه وسلم، يُنبِّه على ذلك لئلا يتقيد الناس بفعله.
من ذلك أنه قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» حتى لا يتزاحم الناس على مكان معين، على البقعة التي وقف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون في ذلك ضيق عليهم. وقال صلى الله عليه وسلم: «وَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» يعني في المزدلفة بعد ذلك، وقال: «نَحَرْتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ»، وفي بعض الروايات: «ومِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وفي فِجَاجِ مَكَّةَ كُلِّهَا مَنْحَرٌ»، معنى ذلك أنه أينما نحر في أرض الحرم فقد بلغ الهدي محلَّه.
كذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان الناس يسألونه فيما كانوا يجهلونه أو فيما كانوا ينسونه من الأعمال، بحيث يُقدِّمون عملاً على عمل، يُقدِّمون نسكاً على نسك، وفي ذلك مخالفة للترتيب الذي عمله صلى الله عليه وسلم، كان يقول للسائل: «افعل ولا حرج»؛ إنما جاءه أحد فقال: يا رسول الله ما شعرتُ، نحرتُ قبل أن أرمي، قال له: «ارمِ ولا حرج»، أو قال له آخر: نحرتُ قبل أن أحلق، قال له: «احلق ولا حرج»، كل ما سأله عنه مما كان من تقديم أو تأخير كان يقول: «افعل ولا حرج»، ومعنى ذلك أنه يُوسِّع للإنسان في حال ما إذا كان جاهلاً أو إذا كان ناسياً، أن يوسع له فيما فعله من تقديم وتأخير حتى لا يقع في حرج، ذلك كله من اليسر في أداء هذه المناسك.
لو جئنا إلى طواف الإفاضة فإن طواف الإفاضة قد يكون الازدحام فيه أكثر من غيره، ولكن هذا الازدحام يمكن أن يُتَّقى بحيث تُجعَل الأيام كلها أيام طواف؛ لا يلزم أن يكون الطواف في نفس يوم النحر، يمكن للإنسان أن يؤخر طوافه فيطوف في أيام التشريق، يمكنه أن يؤخر طوافه إلى أن يرجع من منى.
وعندما يكون الإنسان في مشقة بحيث يُعسِر عليه لضيق الأمر، إما لكثرة الازدحام، وإما لعدم توفر صحته أن يطوف طواف الإفاضة ثم بعد ذلك يطوف طواف الوداع، فإنه يُنفَّس له أن يطوف طواف الإفاضة عندما يودع، فيُجتزأ بطواف الإفاضة عن الوداع، ويكون طوافه هذا مغنياً له عن وداعه، هذا من جملة التيسير الذي جعله الله سبحانه وتعالى في أداء هذه المناسك.
كذلك لو وقع الإنسان في ضرورة من الضرورات التي تؤدي به إلى أن يرتكب شيئاً من محظورات الإحرام، كأن يُضطر إلى الحلق بسبب علاجٍ لمرضٍ به أو نحو ذلك، فإنه يُشرَع له أن يفعل ما اضطُرَّ إليه، وبعد ذلك يُجبَر نسكه بصيام أو صدقة أو نُسُك كما جاء في القرآن، وكما دل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه.
فإذاً هذا كله من التيسير، وليس الأمر كما يتصور الناس، ومن الخطأ البَيِّن أن يقول الإنسان بأنه يؤخر فريضة الحج من حال إلى حال بسبب ما يتوهمه من العسر والمشقة، فإن هذه الفريضة فريضة لازمة، والإنسان مأمور بأن يُعجِّل أداءها، ذلك لأن شأن الإنسان بعد عمر الفتوة وعمر القوة أن يؤول إلى الضعف؛ فعندما يتقدم في العمر لا يزداد قوة، وإنما يزداد ضعفاً، تتناقص قوته شيئاً فشيئاً، فإن لم يؤدِّ هذه الفريضة في وقت شبابه ووقت قوته وفتوته، فمتى يؤديها؟ عندما يهرم ويكون كل شيء منه بعكس ما كان عليه من النشاط والقوة؟
وكذلك قد يفتقر الغني، وكذلك قد يشتغل الفارغ، وكذلك قد تعوق الإنسان عوائق بعد أن كان منطلقاً وقادراً على أداء هذه المناسك؛ فلذلك يجب على الإنسان أن يُسارع: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، على أن الازدحام نفسه لا يقل، كلما جاء عام كان الازدحام أكثر من العام الذي قبله، فالأحوال تزداد ضيقاً وتزداد مشقة عندما يؤخر الإنسان هذه الفريضة من حال إلى حال.