⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن الشيطان يسعى دائماً ليفسد على المسلم دينه، ولِيحول بينه وبين عبادة ربه، ويتخذ إلى ذلك وسائل شتى، ويسلك طرقاً مختلفة، فمن جملة وسائله في إفساد دين المسلم أن يوسوس له بأن العبادة التي يمارسها لم يؤدِّها على النحو المشروع، فيقطع العبادة قبل أن تتم، ويستأنف من جديد.
فلو شرع في الوضوء يحس أنه لم يتوضأ، أو لم يُوضِّئ أعضاءه التي وَضَّأها على النحو المشروع، فيعيد وضوءه مرة بعد مرة، وقد يوسوس له أنه لم ينوِ أن يتوضأ، وأنه لا بد له من إعادة النية، فيعود إلى الوضوء المرة بعد المرة.
وكذلك عندما يدخل في الصلاة يوسوس له أنه لم يأتِ بالصلاة على الوجه المشروع، قد يُوَسْوِس إليه أنه لم يكبر تكبيرة الإحرام على ما هي عليه بحيث لم يؤدِّها سليمة من الأخطاء، أو أنه لم يستحضر قبل أن يشرع في الصلاة أنه يكبر لأجل دخوله في الصلاة.
هذا مما يفسد على الإنسان دينه؛ فقد يتكرر شروعه في الصلاة المرة بعد المرة حتى يفوت الوقت، وقد يتكرر أيضاً شروعه في الوضوء المرة بعد المرة حتى يضيق ذرعاً، قد تفوته صلاة الجماعة، وقد تفوته حتى الصلاة في وقتها بسبب تكراره للوضوء المرة بعد المرة، في كل حين يُحِسُّ أنه لم يتوضأ، أو لم يتوضأ على النحو المشروع، أو أنه لم يسلم له وضوءه، وقد يَعْتَرِيه الوسواس في أنه انتقض وضوءه.
فكل هذه العوامل تؤثر في عبادة المرء، ولذلك أُمر الإنسان أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. الله سبحانه وتعالى علمنا عندما نشرع في قراءة القرآن الكريم أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]، ولذلك عندما يشرع في القراءة في الصلاة أيضاً يستعيذ، وقبل الدخول في الصلاة ينبغي له أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
على أن الله سبحانه وتعالى ذكرنا أن شأن الشيطان دائماً أن يحاول بأن يَؤُزَّ الإنسان أزًّا، وأن يحاول بأن يُقْلِقَه، وأن يفسد عليه دينه، وأن يفسد عليه عقيدته أيضاً، وأن يفسد عليه أموره كلها.
قد يدخل الوسواس حتى في مسائل العلاقات الزوجية؛ فكم من الناس جاؤوني يتصورون من كل كلمة ينطقون بها أنها يترتب عليها طلاق الزوجة، وهذا كثيراً ما يقع فيه الناس، كثير من الناس تجدهم يكررون الأسئلة في أمور من هذا النوع بحيث يتصور أحدهم أن كل كلمة قالها ترتب عليها طلاق الزوجة، وقد يؤدي به ذلك إلى اعتزال الزوجة، ويؤدي به ذلك إلى اعتبار أن الطلاق واقع، ولربما رأى أن يقطع الشك باليقين فيوقع الطلاق، هذا كله من الوسواس.
علَّمنا الله سبحانه وتعالى أن نلجأ إليه في هذه الحالات، فالله سبحانه يقول: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].
والله سبحانه وتعالى أنزل سورة في كتابه الكريم فيها تعليم لنا كيف نستعيذ بالله من الوسوسة، وهذه السورة هي لمن داوم علاج لهذه الوسوسة، يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6].
فالوسواس الخناس يوسوس في صدور الناس لأجل إفساد دينهم عليهم، ولأجل إفساد علاقاتهم، والوسوسة – كما قلنا – متنوعة، وهي مرض متنوع، قد تكون وسوسة في العبادات، وقد تكون الوسوسة في العلاقة الزوجية، وقد تكون الوسوسة أيضاً في الشكوك التي تنتاب الإنسان في خاصته وقرابته، فقد يشك في امرأته أنها تخونه، ويشك في أولاده أنهم يعصونه وأنهم يخونون، ويشك في إخوانه أنهم يتهمونه، وأنهم يُنْبِزُونَهُ بالألقاب، وأنهم يستهزئون به ويستخفون منه، وقد يشك أيضاً في من يعامله أنه يخونه في المعاملة، كل ذلك نتيجة هذه الوسوسة وهذا الاضطراب النفسي.
وعلاجه في هذه الحالة هو أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يقوي جانب اليقين على جانب الشك، وأن يقوي جانب العزيمة على جانب التردد، فعليه أن يقطع تردده بالعزيمة، عليه أن يصمد في أمثال هذه المواقف مع استعاذته بالله من الشيطان الرجيم.
هذا مع ما جاء من التشريع الذي فيه العلاج لمثل هذه المشكلات. نحن نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يأمرنا أن نحذر من هذه الوساوس وألا نركن قط إليها؛ فيأمر النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام من كان في صلاة إذا شك بأنه خرج منه الريح ألا ينفلت من صلاته حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً، أما مجرد أن يحس بخروج شيء فإن ذلك لا يلتفت إليه، ذلك لأن الشيطان قد يوسوس له ويُخَيِّل إليه أنه خرج منه شيء مع أنه لم يخرج، فلذلك يجب أن يعتمد في هذا على اليقين وألا يلتفت إلى الوسوسة.
ولا ريب أن الفقه الإسلامي راعى هذه الجوانب، ولذلك نجد أن الفقهاء بنوا على هذا الأصل كثيراً من المسائل؛ فقالوا فيمن شك مثلاً في ركن من أركان الصلاة أنه لم يأتِ به: إن كان فات وقته فلا يلتفت إلى الشك حتى يتيقن أنه لم يأتِ به، لو كان في محل السجود مثلاً وشك هل ركع أو لم يركع فإنه لا يلتفت إلى الركوع، وكذلك إن كان شك في السجدتين أو في إحدى السجدتين، وقد قام إلى القراءة وشرع في القراءة، فإنه لا يلتفت إلى الشك في السجود، بل يستمر؛ لأنه دخل في ركن آخر فلا يلتفت إلى ذلك الركن السابق.
بل كثير من العلماء قالوا بأنه حتى لو شك في تكبيرة الإحرام وقد شرع في القراءة لا يلتفت إلى الشك ولا يرجع إلى بداية الصلاة بسبب أنه شك في تكبيرة الإحرام، وإن كان منهم من يقول بأن تكبيرة الإحرام هي التي يُتَيَقَّن بها الدخول في الصلاة، فلذلك ما لم يتيقن أنه كبَّر فإنه يرجع ولو كان خامره الشك بعد ذلك، هذا رأي لبعض العلماء.
ولكن بالنسبة إلى الموسوِس فإنه يأخذ بأرخص الأقوال كما نبه العلماء على ذلك؛ فلو وسوس مثلاً في أنه هل نوى أن يتوضأ أو لم ينوِ، وهو وضَّأ جانباً من أعضائه، ينبغي في هذه الحالة أن يأخذ بأرخص الأقوال، أن يأخذ بقول من قال بأن الوضوء لا يحتاج إلى نية، نعم، حتى يعود نفسه الجرأة؛ لأنه لو سلَّسَ للوسوسة القياد فإن هذه الوسوسة تجره إلى متاهات خطيرة وإلى ما هو أبعد من ذلك.