⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
طبعاً سبق أن تكلمنا عن الوسواس في هذه المنصة أكثر من مرة، لكن باختصار شديد أقول للموسوس: إن هذا الذي يتكلم في رأسك ليس هو عقلك، ولا ضميرك، ولا قلبك، وليس إلهاماً ولا وحياً ولا كلاماً واعياً، وإنما هو مرض، هذا الذي يتكلم في رأسك هو مرض، ويتكلم بكلام غير واعٍ وغير عقلاني وغير منطقي، وكلامه لا يؤثر في مستقبلك الأخروي.
يعني لو قال لك الوسواس: صلاتك باطلة، صلاتك باطلة، هذا لا يؤثر على واقع الأمر؛ لأنه لا يمثل صوت الحق، أو إلهاماً، أو رسالة من الله، أو وحياً من الله، وإنما هو صوت خارجي مستقل عنك.
فلذلك دائماً أنا أنبه الموسوسين ألا يعبِّر بتعبير خاطئ، يقول: أنا أقول، أنا أعتقد، أنا أشك، لا، هذا أنت لا تفعل شيئاً من هذا، هذه كلها أوهام، هو الذي يقول: إن الله غير موجود، هو الذي يقول: صلاتك باطلة، هو الذي يقول: الماء لم يصل إلى هنا، هو الذي يقول: أنت من أهل النار، أنت منافق، كل من يتكلم بهذا هو شخصية أخرى مستقلة عنك تماماً.
والدليل على هذا أمران اثنان:
الأمر الأول: أنك قبل أن تصاب بهذا الوسواس كان عقلك موجوداً، وكان الوحي موجوداً أو الإلهام كان موجوداً، ولم يأتك شيء من هذا، فلماذا جاءك في هذه المرحلة؟
الأمر الثاني: أن هذا مرض ويتعالج منه، فإذا استعملت الأدوية يضعف وقد يذهب، مع أن عقلك يبقى معك ودواعي الإلهام موجودة، فلماذا ذهب بالأدوية؟ هذا دليل على أنه مرض، ولذلك تفاعل وتجاوب مع الدواء.
فإذاً الذي أقول لهذا الشخص: إنك لا بد أن تقوي في نفسك أن هذا الذي يتكلم شخصية غير عاقلة، غير منطقية، ثرثارة، لا تسكت ولا تنتهي أسئلتها، كذلك لا تتوقع أنك إذا أجبت على ألف سؤال ستنتهي، لو جاوبت على مليون سؤال هو هكذا مستمتع، يولِّد الأسئلة، فلذلك من العبث أن تحاول أن تسايره أو أن تجيب على أسئلته، أو تظن أنه إلى وقت معين وسيتوقف عنك، أبداً.
الحل: مع الدواء ومع العلاج ومع استشارة متخصصين، أن تقوي في نفسك هذا الشعور أن الوسواس شخصية مستقلة تماماً عني، لا تمثلني، ولست مطالباً بردها ولا بالاستغفار منها ولا بالاستعاذة منها، ولا بأي ردة فعل تجاه هذه الأفكار الوسواسية.
والله الشافي.
وعن الطهارة والعبادة مع الوسواس قال: الصحيح أنك لست مطالباً بالطهارة التامة، وإنما كلنا، حتى الأصحاء، مطالب أن يتوضأ بما يظهر في الصورة وفي الشكل بأنه موافق لما أُمر به، فإذا فعل هذا القدر فقد أدى ما أراده الله؛ بمعنى لسنا مطالبين بأن نصلي صلاة نتيقن من صحتها، ولا أن نتوضأ وضوءاً نتيقن من صحته، ولا أن نصوم صوماً نتيقن من صحته، لأننا لا نستطيع أن نتيقن.
الآن نحن صلينا المغرب، ما أحد منا يستطيع أن يقول: والله العظيم صلاتي وقعت تامة ولا يوجد فيها نقص ولم أُخطئ، لكن في ظاهر الأمر أننا صلينا الصلاة الصحيحة، وهذا القدر يكفينا، وهذا القدر هو الذي نحاسب عليه.
وأضرب لكم أمثلة: الرسول صلى الله عليه وسلم صلى إحدى الصلوات الرباعية ركعتين وانصرف، لولا أنه ذُكِّر ماذا كان سيحدث؟ سيمضي وسيعيش وسيموت، ووِفْقَ الظاهر أن الرباعية كم ركعة؟ ركعتين، هل كان الله سيحاسب نبيه لأنه في يوم من الأيام صلى إحدى الصلوات الرباعية ركعتين؟ لا.
فالله عز وجل لا يحاسبنا على الحقائق واليقين أو على ما في علمه سبحانه، وإنما يحاسبنا ويسائلنا على ما في علمنا وما ظهر لنا، وهذا القدر هو الذي تُقام عليه المحاسبة، لا تتصور أن الله تعالى يوم القيامة سيحاسبك ويقول لك: يا عبدي، ستدخل النار لأنك صليت الظهر ثلاثاً وأنت لا تدري، هذا لن يأتي عليك يوم القيامة يقيناً، والنصوص القرآنية واضحة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، و﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، والنصوص كثيرة كما تعلمون.
فلا بد أن نطمئن، ولا بد أن نأخذ الدين بهدوء، والنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن التنطع وعن مشادة الدين، وقال: إن الدين يغلب من شاده، فإذا شاد أحدنا الدين فإن الدين يغلبه، فلذلك نجعل حياتنا حياة خفيفة سلسة، نعم نحرص من القدر الذي نستطيعه، لكن لا نتكلف الغيب، لا نتكلف الحقائق، لا نفترض أسئلة مزعجة أو مؤلمة أو لا فائدة منها إلا الركض والسير وراء سراب.
والله يوفق.