⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم؛ لأن السياق يتحدث عن الصدقة: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10]، نعم، «فأصدق من الصالحين أو من المحسنين، فصدق وأكن من … نعم، فأصدق وأكن من المحسنين»، نعم.
فالآية الكريمة تتحدث عن الإنفاق، صدرُها يتحدث عن الأمر بالإنفاق، واختلفوا في هذا الإنفاق –على ما أذكر– هل هو الإنفاق الواجب أو هو إنفاق التبرعات، أو هو ما يؤمرون به جميعًا من إنفاقٍ واجبٍ أو من إنفاقٍ يتعيَّن عليهم، أو من إنفاق وجوه البرِّ والإحسان وعموم الصدقات، والظاهر أن كل ذلك يدخل؛ فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، هل «من» هذه للتبعيض أو للبيان؟ خلاف، والمعنى يتَّسع؛ فحتى عند من يقول بأن «من» للبيان فإنه لا يقصد أن ينفق كلَّ ما في يده هذا المخاطَب، وإنما يقصد الأمر بالإنفاق، نعم؛ أي أنفقوا، فإن كان واجبًا فالقدر الواجب، وإن كان متعيِّنًا فكذلك، وإن كان من الصدقات، من صدقات النفل، فما تيسَّر، وهذا المعنى عند من يقول بأن «من» للتبعيض –أيضًا– ظاهر لا يحتاج إلى تأويل: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
إذًا صدر الآية يأمر بالإنفاق، نعم: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، فهنا حثٌّ على المبادرة إلى الإنفاق، وإلى اغتنام هذه النعم: نعمة الحياة، ونعمة الرزق التي آتاها العباد، أن ينفقوا، أن يؤدوا ما يستطيعون من أموالهم مما خوَّلهم إياه ربهم تبارك وتعالى. نعم.
﴿مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، الآن يهجم عليه هادم اللذات، فتنكشف له الحقيقة، نعم، ولذلك «لولا» هنا اتُّبِعت بفعلٍ ماضٍ، وليس بفعلٍ مضارع؛ لأن الأمر كأنه متحقق: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي﴾، لماذا قال: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾؟ لأن العادة أن المطلوب إن كان يسيرًا فإنه يُستجاب له، ولذلك فإن مطمع هؤلاء أن يُستجاب لهم، نعم، هذا هو مطمعهم: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾.
الآن هو يندم أنه لم يتصدق؛ لأنه قد أُمِر بالصدقة، نعم، وحُثَّ عليها، وأتيح له الوقت والمال الذي ينفق منه، ولكنه أهمل وأعرض، ولم يستجب، فإذا به يندم، ولات ساعةَ مندم، نعم، الآن هو يندم على تفريطه فيما أُمر به على جهة الخصوص: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ويندم على أنه لم يكن من الصالحين، نعم، فلما قال: «فأصدق وأكن من الصالحين»، دلَّ ذلك على أن ندمه لا يقف عند تفريطه في الصدقة، نعم، وإنما يشمل أيضًا تفريطه في دواعي الصلاح والاستقامة والإحسان، ولا حاجة –مرةً أخرى– إلى تأويل «فأصدق» هل فقط الصدقة الواجبة، أو تشمل صدقات النفل؛ لأن كل ذلك مقصود، كل ذلك مقصود مشمول بهذه الآية الكريمة.
فهو يأسف ويتندم؛ في هذا السياق القرآني خُصَّ بالذكر الصدقة؛ لأنه تقدَّم الأمر بها في نفس الآية الكريمة، ولكنه لا يتحسر على فوات الصدقة فقط، بدليل ما خُتمت به الآية الكريمة حين قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فهو الآن يتحسر على أنه فوَّت أن يكون من الصالحين مع تفويته للصدقة؛ والصلاح يشمل كل وجوه التدين والاستقامة والالتزام وطاعة الله تبارك وتعالى، هذا والله تعالى أعلم.
إذًا هذه المسألة يحكمها السياق، سياق الآية.