⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على حلو القضاء ومرِّه، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، نستغفره ونتوب إليه، ونسأله الذي ينزل من قبله باستغفار والرجوع إليه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فقبل كل شيء يجب على المسلم أن يكون مدركًا أن كل ما يصيبه إنما هو من عند الله سبحانه وتعالى، ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].
وعلى المسلم أن يفكِّر بين مقدار ما أصابه ومقدار ما دُفع عنه، فما دفع الله أعظم، فالحمد لله على ما دفع ممَّا هو أعظم ممَّا أصاب، فالشكر لله سبحانه وتعالى أولًا على لطفه بنا.
ثم إن من لم يشكر الناس لم يشكر الله، فنحن بكل أخلاق أيضًا نشكر الذين تعاوَنوا على البر والتقوى، وفي مقدِّمة الجميع أب الأسرة العمانية، حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، صاحب الروح الأبوية الحانية التي غُمر بها هذا الشعب، وكذلك نشكر جميع الجهات الرسمية التي اشتركت، نشكر شرطة عُمان السلطانية على البذل الكبير الذي بذلته من أجل إنقاذ الناس، ونشكر الدفاع المدني أيضًا فيما قام به، ونشكر رجال القوات المسلحة على ما بذلوه من خير، ونشكر مؤسسات الإعلام على التحذير الذي سبق هذا الإعصار والذي كان في أثناء الإعصار وتغطية ما حدث، ونشكر جميع الذين هبُّوا لفعل الخير، سواء من المؤسسات الرسمية أو من الشعب الكريم الذين هبُّوا لأجل إنقاذ إخوانهم ولأجل معونة إخوانهم، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يتغمَّد المؤمنين والمؤمنات الذين وافاهم الأجل المحتوم في هذا الحادث المرير.
هذا أمر لا بدَّ منه.
وبالنسبة إلى ما يستقبل به الإنسان المسلم مثل هذه الأحداث، لا ريب أن المسلم كل شيء يردُّه إلى الله سبحانه وتعالى؛ فالسرَّاء لا تبطِر، وإنما يردُّها إلى الله لأنها جاءت من عند الله، والضرَّاء أيضًا لا يجزَع؛ لأنها جاءت من عند الله، ويعلم أن الله سبحانه وتعالى امتحنه بها، فلذلك يحرص على أن يكون موصولًا بالله سبحانه وتعالى.
وعلينا أن نضع نصب أعيننا قبل كل شيء قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، وكلمةً قالها العباس بن عبد المطلب عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما استسقى به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه – أي طلب منه أن يدعو بالسقيا – فكان مما قدِم في مقالته: أن البلاء لا ينزل إلا بمعصية، ولا يرتفع إلا بتوبة.
ولا ريب أن المسلم مأمور أن يقف مع نفسه ويحاسب نفسه حسابًا دقيقًا، ويقف مع أسرته ويحاسبها حسابًا دقيقًا، ويقف مع كل من يستطيع أن يقف معه لأجل النصح في مثل هذه الأشياء، فنحن علينا أن نرجع إلى أنفسنا: هل عملنا ذلك؟ «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل في بيته راعٍ ومسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسؤولة عن رعيتها»، فمعنى ذلك أن كل أحد مسؤول عن نفسه ومسؤول عن من يرعاه.
ونحن نرى في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أسباب البلاء، وما يدل على ما يرفع البلاء، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96]، ويقول سبحانه: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 97-99].
علينا أن نُدرك بأن الله سبحانه وتعالى غيورٌ على حرماته، فنحن إن لم نَغَر على حرمات الله، فربُّ السماوات والأرض لا بد من أن يغار عليها، لذلك كان علينا أن نقف موقف المحاسبة الدقيقة لأنفسنا أمام هذه التصرفات، وأعظم شيء أن تستشري المعصية وتنتشر من غير أن تُغيَّر؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما صمَّام الأمان لحياة الإنسان الدنيوية والأخروية.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79].
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يقص علينا في كتابه أنباء الأمم من قبل، وما حدث لهذه الأمم من تغييب الله سبحانه وتعالى وبطش الله سبحانه وتعالى بها، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 163-164]، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165]، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165].
فإذًا الذين نُجُّوا هم الذين ينهَون عن السوء، ومعنى ذلك أن كل أحد يجب عليه بقدر استطاعته أن ينهى عن السوء وأن يأمر بالمعروف.
الله سبحانه وتعالى حكم على الجنس البشري بأثره بأنه جنس خاسر إلا من جمع من هذا الجنس بين أربع خصال، يقول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]، فلا بد من التواصي بالحق مع التواصي بالصبر بجانب الإيمان والعمل الصالح.
فإذا البشرية جعلها الله سبحانه وتعالى حياتها متداخلة، ولما كانت حياتها متداخلة فإن كل عمل سيِّئ ينعكس أثره عليها إن لم يُغيَّر هذا العمل، ولذلك كان من الواجب على الناس أن يقبضوا على أيدي الذين يفسدون في الأرض حتى لا يعود إليهم عقاب عملهم.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 16-17].
وكم يلفت القرآن الكريم انتباه الناس إلى الأمم التي بادت، والأمم التي أصابها ما أصابها من عقاب الله بسبب اجترائها على الله سبحانه وتعالى، تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: 6]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [غافر: 21]، ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [غافر: 21].
فإذا هذه ذنوبنا التي جرَّت علينا، وتركُنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح.
كم من قضية هي تعتبر حربًا بين العباد وبين المعاصي، كلها حرب بين العباد وبين الله سبحانه وتعالى، وهل نحن اعتبرنا؟ كم نسمع من عبارات تتردَّد على ألسن الناس بعد هذا الإعصار، كقولهم: نحن تحدينا الإعصار، أو تحدينا «جونو»، أو «تحدي الإعصار»، من الله! من أنت أيها المخلوق حتى تتحدَّى ما يأتي من قِبل الله سبحانه وتعالى؟! ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8].
كم من اجتراء على الله بمثل هذه العبارات! كيف لا تُنكر هذه العبارات؟ وكيف لا نطهِّر منها وسائل إعلامنا؟ كيف لا نطهِّر كلامنا من رجس القول الذي يعود علينا بعقاب الله سبحانه وتعالى؟ هل نحن آمنون عقاب الله؟ ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: 12]، ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: 13]، فبطش سبحانه وتعالى شديد، فلماذا نحن نجترئ على الله بالقول وبالعمل؟ أيُّ عِبرة لا تكفينا؟ حسب الإنسان أن يُوعظ بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، حسب الإنسان ما يراه من آثار سخط الله سبحانه وتعالى، فكيف هذا الاجتراء على الله سبحانه بمثل هذه الكلمات؟
نعم، على الناس أن يستغفروا الله تعالى ويتوبوا إليه، كما قال العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه: البلاء لا ينزل إلا بمعصية، ولا يرتفع إلا بتوبة، علينا أن نتوب إلى الله، علينا أن نحاسب أنفسنا، علينا أن نحرص على تطبيق شريعة الله؛ الأرض هي جزء من مملكة الله، والله تعالى يغار على مملكته، ويغار على حكمه، ويغار على حرماته، علينا أن نحرص على تطبيق – أولًا قبل كل شيء – كل واحد يطبِّق شريعة الله في نفسه وفي بيته وفي من يستطيع أن يطبِّق شريعة الله تعالى عليه، هذا مما يجب على الكل، وعلينا أن نرعى حرمات الله سبحانه وتعالى وألا نتساهل فيها.