⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الأولاد هم ثمرةُ الأفئدة، وهم أفْلاذ الأكباد، وهم أملُ الإنسان في غده، وهم امتداده فيما بعده، إذ تمتد حياتُه في حياتهم، وكما قال أحدُ الشعراء عندما يصف صِلته بولده يقول:
وقلتُ شبابُ ابنِي شبابي وإنّما
تحوّلَ شطرُ العمرِ مِنِّي إلى شِطْرِي
فهكذا شأن الأولاد؛ فلذلك كان الحفاظ عليهم الحفاظَ على أعظم ثروةٍ عند الوالد، وإضاعة الأولاد إنما هي إضاعةٌ للنفس، وإضاعةٌ لمستقبلها، وإضاعةٌ لحياتها التي يُرجى أن تمتد في حياتهم، وإضاعةٌ لثروة الأمة.
من هنا كانت الضرورةُ إلى حُسن التربية؛ تربية الأولاد على خشية الله سبحانه وتعالى وتقواه، والاستقامة في السريرة والعلانية، والعكوف على أوامر الله سبحانه وتعالى، والانزجار عن نواهيه؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا، وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].
وقايةُ الإنسان لنفسه باتباعه أوامر ربه، وانزجاره عن نواهيه، وكذلك بحُسن قيامه بحق أسرته بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتبصيرهم بأمر الدين، وفي مقدمة هذه الأسرة الأولاد. ولئن كان الإنسان يخشى على نفسه من هذه النار التي وقودها الناس والحجارة، فإنه كذلك يجب عليه أن يخشى على أولاده ثمرةِ أفئدته.
ومن شأن الإنسان أن يحرص كلَّ الحرص على تجنيب أولاده كلَّ ما يضرهم؛ يقول الشاعر:
وإنما أولادُنا بيننا
أكبادُنا تمشي على الأرضِ
لو هبّتِ الريحُ على بعضِهم
لامتنعتْ عيني عن الغمْضِ
فلئن كان هبوبُ الريح عليهم يؤدي إلى أن تمتنع عينه عن الغمض، فما بالك فيما إذا كان الإنسان يهملهم؛ ليتعرضوا لسخط الله سبحانه وتعالى، أو يربيهم التربية التي ليست فيها مراقبةُ الله سبحانه وتعالى في أوامره وفي نواهيه؟ أليس هذا الذي يُهمل أولاده معرِّضًا أولاده للنار التي وقودها الناس والحجارة؟ لماذا يهون عليه أفْلاذُ كبده وثمرةُ فؤاده حتى يكونوا حطبًا للنار، يكونوا وقودًا للنار والعياذ بالله تعالى؟
إن على الإنسان أن يجنب أولاده كلَّ ما يؤدي بهم إلى الوقوع في محارم الله، والوقوع في سخط الله، ولا ريب أن من أعظم المناهي وأكبر الكبائر أن ينسلخ الإنسان من فطرته التي فطره الله تعالى عليها؛ فالرجال فُطروا بطبيعة الذكورة، والنساء فُطرن بطبيعة الأنوثة، ولا يجوز لأي واحد من الصنفين أن يجترئ على الله سبحانه وتعالى فينسلخ من الفطرة التي فطره الله تعالى عليها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال»؛ كلٌّ منهم ملعون؛ من تشبّه بالنساء من الرجال فهو ملعون، ومن تشبّهت بالرجال من النساء فهي ملعونة؛ لأن في ذلك تمرُّدًا على الفطرة، وانسلاخًا من هذه الفطرة التي فطرهم الله تعالى عليها.
فيجب على الآباء أن يربّوا الأولاد على معاني الرجولة، أي أولاد الذكور أن يربوهم على معاني الرجولة، وأن يحرصوا على تجنيبهم كلَّ ما يؤدي بهم إلى التشبه بالجنس الآخر. كذلك بالنسبة إلى النساء يُربَّين التربية التي تليق بخصائص الأنوثة، ومن ذلك تربيتُهن على الحياء، والحرصُ على البعد عن الاحتكاك بالرجال، لأن في ذلك تجليبًا لهن من الوقوع في الشرور.
والوقت نعمةٌ لا تُعَوَّض، لذلك كان الإنسان مسؤولًا عن هذه النعمة؛ جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزولُ قدما ابنِ آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم». يُسأل عن العمر كلِّه؛ فإذًا العمر نعمة من الله، كما يُسأل عن فترة الشباب خاصة.
فأولئك الذين يقضون أوقاتَهم في السهر، ولا يبالون بمضيِّ الأوقات مضيِّعٌ للعمر؛ لأن كل لحظة من لحظات العمر نعمةٌ من الله يجب على الإنسان أن يعرف كيف يستغلها في طاعة الله وفيما ينفعه، وأي لحظة تمر بالإنسان لا يمكن أن تعود، كل نفسٍ يتنفسه لا يعود إليه، بل كل نفس من أنفاسه هو على حساب العمر، هو خطوةٌ من خطواته إلى الدار الآخرة.
فعلى الإنسان أن يستغل هذه الأنفاس في طاعة الله:
على لحظاتٍ ينقصُ العمرُ مرُّها
تُؤكِّدُ آمالَ البقاءِ وتزيدُ
ولو أمَلًا أدركتَه لم تجدْ له
وفاءً، ولم تُسعِفْكَ منه عهودُ
فكيف هؤلاء الذين يقضون ليلهم في السهر، في الملاهي، وفي الفساد، وفي إضاعة الأوقات؟ أليسوا مسؤولين عن هذا الأمر؟ أين هؤلاء من الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18]، والذين وصفهم بقوله: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ، يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة: 16]؟ أين هؤلاء من ذلك؟
فعلى الآباء أن يحرصوا على تجنيب أولادهم هذه المسالك التي تؤدي بهم إلى الهلاك والعياذ بالله، تؤدي بهم إلى تلف الحياة الدنيا، وإلى الهلاك في الدار الآخرة.
والله تعالى المستعان.