⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هذا سؤال يحمل انتباهة من صاحبه جميل، وقد يقع في هذا كثيرون ممن يقرؤون سورة التحريم؛ فقد رأيت كثيراً من طلبة العلم، بل رأيت كثيراً ممن فسر سورة التحريم –الآية الأولى منها– يقع في شيء من اللبس.
فقول الله تبارك وتعالى –رفعاً لهذا اللبس، سأدخل في الجواب مباشرة– قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُراد به المعاتبة؛ السورة كلها جاءت للتلطُّف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لرفع الحرج عنه، للدفاع عنه، نعم، ولإظهار عناية ربه تبارك وتعالى به عليه الصلاة والسلام في وسط عائلته، في وسط عائلته، نعم؛ هذه هي روح السورة، نعم.
ليست السورة في مقام التثريب والمعاتبة على ترك ما هو أولى وأفضل كما هي آية التوبة: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾؛ فقدم العفو ثم جاء العتاب؛ هناك حادثة فيها ضرر على عموم المسلمين وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أذن عليه الصلاة والسلام لكل من جاء يستأذنه في ترك الجهاد في سبيل الله، فأرشده ربُّه تبارك وتعالى إلى أن الأولى والأكمل في حقه كان ألا يأذن لهم.
فأما سورة التحريم فهي في إظهار الحَدَب والعطف والحَنوّ من الله تبارك وتعالى برسوله عليه الصلاة والسلام، نعم؛ فهذا الاستفهام «لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ» يحمل معنى النفي؛ أي ليس هناك ما يدعوك إلى أن تُحرِّم أمراً أحلَّه تعالى لك، أن تلتزم بالامتناع عن أمر أحلَّه تعالى لك من أجل مراعاة ما فيه رضا أزواجك، ليس هناك ما يدعوك إلى ذلك؛ فغيرته الله عز وجل عليك أعظم مما ينشأ بين نسائك من غيرة، نعم.
سواء كان امتناعه عليه الصلاة والسلام بيمين أو بدون يمين؛ وقد تقدَّم في جواب قديم أن العتاب هنا على ما يتعلق بالعَسَل الذي شربه، أو كان يشربه، عليه الصلاة والسلام عند سيدتنا زينب رضي الله تعالى عنها، فغارت السيدتان حفصة وعائشة رضوان الله تعالى عليهما، فتمالَأَتا أنه إذا دخل عندهما تقول كل واحدة منهما: أشربتَ مغافير؟ نعم، ومغافير هو نوع من الشراب فيه رائحة مُخَمَّرة، نعم، فامتنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شرب العسل –قيل: بيمين، وقيل: بدون يمين– نعم، والسياق القرآني يصلح للمعنيين؛ يعني الآية بعدها: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ قيل: هذه رخصة وتوسعة من الله تبارك وتعالى لما التزَمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدم العود إلى ما كان قد صدر منه من شرب العسل، نعم، وقيل: بأنه حلف، فالآية على ظاهرها.
إذاً الآية كلها هي للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليست للعتاب، نعم؛ وكأن أباً يرى ابنه شديد المذاكرة، يصل ليلَه بنهاره، إن وجد مثل هذا الابن فيأتي ويقول له: لِمَ تُذاكر –أي كل هذه المذاكرة–؟ أنت لست بحاجة إلى كل هذه المذاكرة؛ هذا للتخفيف عنه، للتيسير؛ هذا هو روح هذه الآيات في سورة التحريم، نعم، للتيسير على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولبَيان عظيم منزلته عند الله تعالى، وأن الله قد أباح له هذه الطيبات، فليس هناك ما يمكن أن يدعوه إلى أن يمتنع عن شيء من المباحات؛ لأنه بإتيانه لها يُظهِر نعمة الله عز وجل عليه، وشكرَه لله تبارك وتعالى، ويظهر أنه مُؤْثِر لطاعة الله تعالى، ولا يمكن أن يُزحزِحه عن ذلك شيء، وأن الله عز وجل هو الذي يتولَّاه بالرعاية والتوجيه والتسديد، وهو الذي يبيِّن له ما يمكن أن يدور في الخفاء داخل بيته من أسرار يمكن أن تَتَمالأ عليها أمهات المؤمنين أزواجه رضوان الله تعالى عليهن، فيما يمكن أن ينشأ بين النساء عادة بين الضرائر عادة، وهذا كان مبعث ما نشأ بينهن، ما ينشأ بين الضرائر عادة.
فجاءت سورة التحريم لبيان أنه ليس في حاجة إلى أن يمتنع عن شيء أباحه الله تبارك وتعالى له؛ هذا هو الفارق الجوهري بين كل المواضع التي فيها شيء من العتاب لرسول الله صلى الله عليه وآله، فيأتي قبلها بيان العفو عنه وترك المؤاخذة والتثريب، ثم يأتي بعد ذلك محل المعاتبة، أما سورة التحريم فهي مختلفة تماماً.
والله تعالى أعلم.