⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا: كلمة المفسِّرين يكاد تكون مُجمِعة على أن المقصود المخاطَب هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يُخاطب ابنَ أمِّ مكتوم بقوله: «مرحبًا بالذي عاتبني فيه ربِّي».
نعم، ذهب عددٌ من مفسِّري الشيعة الإمامية إلى أن المقصود ليس رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووجَّهوا ذلك إلى أن المقصود به عثمان بن عفان؛ هذا قول عند طائفة من المفسِّرين من الشيعة، وهذه الأقوال تُوجَد في مسائل كثيرة في تفسير كتاب الله عز وجل وفي تفسير بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فلا ينبغي التعنُّت؛ المسألة ليست من مسائل الدين.
ما ذُكر من اعتراضات: أن العبوس لا يليق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو الاحتجاج بأن الله تعالى وصف خُلُقه بأنه خُلُق عظيم، وأن مثل هذا المشهد يصعب أن يُتصوَّر صدوره منه صلى الله عليه وآله وسلم؛ هذا غير صحيح، وليس فيه مطعن، بل القرآن يُوجِّه رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما كان أولى في حقه.
وهناك ملمح خُلُقي ودعوي؛ فالسورة الكريمة تتحدث أولًا بصيغة الغائب، وهذا فيه تلطُّف بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، ثم تنتقل من الغائب إلى المخاطَب: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾؛ فحيث ورد العتاب بوصف ما صدر منه صلى الله عليه وسلم كان بصيغة الغائب.
والحقيقة أن هذا المشهد نفسه – ما ورد في سبب النزول – أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يَعرِض هذا الدين على عظماء من قريش أو من المشركين، وأتاه ابن أم مكتوم – والأقرب أنه ابن أم مكتوم، وهو قول أكثر المفسرين – فيسأله عن تفاصيل، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منصرفٌ لمن يرجو أن يكون في دخولهم في هذا الدين دخولُ أقوامهم ودخولُ أناسٍ آخرين، ويرجو بهم فتحًا لهذا الدين؛ فلا لوم عليه صلى الله عليه وآله وسلم أن ظهر منه كَدَرٌ في وجه من أتاه يَقطَع عليه دعوته واشتغاله واهتمامه بما هو فيه، فلا حاجة إلى إعطاء المسألة أكثر من حجمها.
وكما تقدَّم: طائفة – منهم الطبرسي في «مجمع البيان»، ومن متقدِّمي مفسِّري الشيعة – يرَون أن الآية ليست في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما هي في عثمان بن عفان؛ وهذا قول موجود في كتب التفسير عندهم؛ فلا ترقى المسألة إلى أن تكون مسألةً يُثَرَّب فيها ويُضيَّق على من رأى أن السورة لا يُقصَد بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو ما أراد التنقُّص، وإنما أراد بيان أن ذلك من الخُلُق الذي لا يُتوقَّع أن يَصدُر منه عليه الصلاة والسلام وهو المعصوم.
أمَّا أن يأتي اليوم بعض الكُتَّاب ويتشنَّج في هذه القضية، ويعدَّها قدحًا في المفسِّرين، في علماء الإسلام الذين – كما قلت – يكاد فعلاً أن تكون كلمتُهم مُجمِعة من المتقدِّمين والمتأخِّرين أن هذا العتاب هو لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ذلك ليس بقدحٍ أو طعنٍ في منزلته ومقامه، وأن شواهد الحال تؤكِّده؛ فيأتي هذا ويتشنَّج ويقدَح ويطعن في كتب التفسير وفي علماء الإسلام؛ فهذا غير مقبول منه أبدًا، وينبغي أن يُترَك مثلُ هذا في زاويته التي يستحقها.
والله تعالى أعلم.