مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تفسير آية من الكهف

ما تفسير قوله تعالى: {ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} من حيث المعنى واللطائف اللغوية والنحوية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فـ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أي أيقظناهم، رفعنا عنهم ما كانوا عليه من عدم القدرة على الحركة، فإزالة أسباب الاحتباس تسمى بعثا وانبعاثا، وهو الذي يعبر عنه كثير من المفسرين بأنه الإيقاظ. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، اللطيفة الثانية في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِنَعْلَمَ﴾، فالله عز وجل عالم، وهو عليم بكل شيء قبل حصوله، فما معنى: لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا؟ المعنى: أي علم انكشاف وظهور تترتب عليه آثاره في الآدميين، فليس المقصود هو علم الله تعالى الأزلي الذي هو صفة من صفات ذاته جل وعلا، وإنما المقصود هو علم الانكشاف والظهور. بعض المفسرين يقولون: أي انكشاف الحقيقة، انكشاف المجهول بما يترتب عليه الثواب والعقاب، ولكن لا يلزم أن يكون ذلك الانكشاف في أمر يترتب عليه ثواب وعقاب، ولذلك فلا حاجة إلى هذه الزيادة؛ إذاً: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ أي لنكشف ونبين ونظهر للناس، بما انكشافا وظهورا تترتب عليه آثار العلم عند الناس. ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ المقصود؟ المقصود فيه خلاف عند المفسرين؛ فمنهم من قال: هم من الفتية أصحاب الكهف أنفسهم، ومنهم من قال: بين أصحاب الكهف وبين غيرهم ممن اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف، ومنهم من قال: بل القوم الذين اختلفوا في أمرهم في مدة لبثهم، وهذا هو الأقرب. لماذا أرى أن الحديث عن الفتية أصحاب الكهف بعيد؟ لأن التعبير القرآني قال: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾، وعدد أصحاب الكهف محصور محدود على أرجح الأقوال، ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم، فأن ينقسموا إلى حزبين هذا بعيد؛ الحزب هو الجماعة، الجماعة الكبيرة من الناس التي تتفق على أمر أو رأي، فهذا بعيد. إذًا: لأنهم انقسموا إلى فريقين، إلى مجموعتين، أو إلى جماعتين؟ وما حصل منهم قد حكاه الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ هذا انقضى، انتهى، يعني حكاه الله تبارك وتعالى، المحاورة التي دارت بين فتية أصحاب الكهف تقدم ذكرها وبيانها. ولذلك فإن القول الثاني، وهو أنه بين أصحاب الكهف –بين الفتية– وقومهم، أيضا بعيد، وإنما الكلام في القوم الذين بُعث فيهم بعد رقدتهم فتية الكهف؛ هؤلاء اختلفوا منذ أن غاب عنهم فتية الكهف إلى أن بعثهم الله تبارك وتعالى، وبيَّن أمرهم، وكشف حالهم –كما تقدم في الآية الكريمة: لنعلم، أي علم ظهور وانكشاف–، فهؤلاء هم الذين اختلفوا. هل اختلفوا إلى قولين أو اختلفوا إلى أكثر من قولين؟ الآية تحتمل؛ لأن بعض المفسرين يرون أن قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، يقول: إذا هناك فريق وافق الصواب، وحزب آخر –جماعة أو فريق آخر– جانب الصواب، ولا يلزم؛ لأنه قد تتنوع، تتعدد آراء هؤلاء، ويكون فيهم من وافق الصواب، وبناء على ذلك ومن أجل ذلك، فإن سائر الآراء الأخرى التي تحزبت لها الناس تكون خاطئة مجانبة للصواب؛ فتكون المقارنة هنا بين من وافق الصواب وجانب الصواب، أيا كانت آراؤهم. إذًا: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ هذا هو معناها، من هم الحزبان؟ هذا هو المعنى. بقي هنا من لطيف القول: ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾؛ لأن المتبادر إلى أذهان كثير من طلبة العلم ومن أهل العلم، ومن عدد أيضا من المفسرين، أن «أحصى» هنا هي من صيغ التفضيل، أنها اسم تفضيل، وهذا القول ذكره عدد من المفسرين، لكنهم تكلفوا في تفسيره، والسبب أن «أحصى» رباعي، وصيغة «أفعل» للتفضيل من الرباعي تأتي سماعية على غير قياس، والقرآن الكريم استعملها فعلا ماضيا؛ لأنها فعل ماضٍ، فعل رباعي، فعل ماضٍ: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾، فاستعملها –يعني كما هو وضعها الاشتقاقي– فعل رباعي ماض، والمقصود منه الضبط والعد، الحساب. وعلى هذا فإن «أحصى» فعل ماض رباعي، أي: أيُّ الحزبين عدَّ وضبط لما لبثوا أمدا؛ الأمد: الغاية الزمنية، الأجل الزمني. وأشرت إلى القول بأن «أحصى» اسم تفضيل، ولكن هذا القول عند الحذاق من المفسرين بعيد إن لم يكن متعذرا، ليس مقصودا، ليس لأن «أحصى» –كما تقدم– هي صيغة فعل ماضٍ رباعي بمعنى عدَّ وحسب وضبط، وإنما أيضا لو قيل بأنها يمكن أن تكون على غير القياس، وهذا قول قيل في صياغة اسم التفضيل؛ لكن التمييز هنا ليس منقلبا عن فاعل؛ فـ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، التمييز بعد اسم التفضيل إما أن يأتي مجرورا، أو أن يأتي منصوبا، إذا جاء منصوبا فإنه لابد أن يكون منقلبا عن فاعل، من نحو قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، «أكثر مالا» أي كثر ماله، فقال: «أكثر مالا» فالتمييز هنا منقلب عن فاعل، و«أعز نفرا» أي عز نفره، فالتمييز هنا منقلب عن فاعل. هنا لا يصلح أن يكون منقلبا عن فاعل؛ وقال: «أحصى لما لبثوا أمدا»، الأمد ليس محصِيًّا؛ فليس هو بمنقلب عن فاعل، إذا كما يقول بعض المعاصرين: البنية العميقة لتركيب هذا الجزء من الآية الكريمة لا تسمح بأن يكون «أمدا» تمييزا، وإنما هو مفعول للفعل الماضي «أحصى». المعنى الإجمالي متقارب، المعنى الإجمالي للآية لو قلنا بأنه تجوزنا –يعني حاول العلامة الطاهر بن عاشور أن يتكلف التأويل؛ لأنه قال بأن كون التمييز منقلبا عن فاعل إنما هو أمر تقديري–، ابن هشام –على سبيل المثال– عد هذا من أغلاط المعربين في «مغني اللبيب»، في الجهات التي يدخل على المعرب فيها الغلط، وهو في آخر «مغني اللبيب»؛ عد هذا من الأخطاء لنفس هذا السبب الذي ذكرته: أن الفعل فعل رباعي، ولكن التمييز هنا لا يصلح أن يكون منقلبا عن فاعل، فليس هو –أي الأمد هنا– هو محصيًا وليس بمحصى. فالحاصل أيضا: لو قيل بأنها صيغة تفضيل، هناك خلل في المعنى، وهو: يعني هناك إحصاء صحيح، وما سواه خطأ، ولذلك قال: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾؛ مهما كانت أقوال الذين لم يصادفوا الحقيقة –لم يصادفوا مدة اللبث الصحيحة– فهي خطأ، لا يمكن أن نقول بأن قولاً منها أجود من قول، إلا من باب التجوز؛ فكيف نقول بأن هؤلاء كان أحدهم على صواب، وكان الآخر أكثر صوابا منه؟ لا يحتمل هذا المعنى؛ لأن الكلام ليس في أمر يحتمله السياق؛ هو إما أن يكون الضبط صحيحا أو غير صحيح. فلذلك «أحصى» هي فعل ماضٍ؛ أي: أيُّ الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا. طبعا هنا مسألة لغوية تتعلق بعدم تأثير «لنعلم» في «أي»، هذه مسألة تفصيل آخر؛ لأن «أي» هنا مبتدأ شُيِّئت بمعنى الاستفهام، فلا يؤثر فيها ما قبلها، فهي مبتدأ، و«أحصى» الفعل، و«أمدا» المفعول به. إذا هذا هو معنى الآية الكريمة، وفيها –كما قلت– جملة من اللطائف، وبمن أراد التوسع فليرجع إلى كتب التفسير وكتب إعراب القرآن الكريم؛ فإن فيها منافع وفوائد أكثر مما تقدم. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١٨‏/٥‏/٢٠٢٦👁 16 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 1 ذو الحجة 1447 هـ

الحديث الشريفالقرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

حكمة بعث أصحاب الكهف

5 👁

ما الحكمة والمعنى العام لاستيقاظ أصحاب الكهف بعد المدة الطويلة، وماذا أراد الله أن يفهمه المجتمع من هذا الحدث؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٨‏/٥‏/٢٠٢٦

تفسير آية من الأعراف

3 👁

ما تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا)؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٧‏/٥‏/٢٠٢٣

تفسير آية أمرنا مترفيها

2 👁

ما تفسير قوله تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

تفسير آية أكابر مجرميها

2 👁

سائل يسأل عن قوله تعالى: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها، وهل تُفهم هذه الآية على ظاهرها وما معناها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/٢‏/٢٠٢٦

تفسير آية أمرنا مترفيها

2 👁

ما تفسير قوله تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/٣‏/٢٠١٩

تفسير ولا تبخسوا الناس

2 👁

ما معنى قوله تعالى: ولا تبخسوا الناس أشياءهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠