⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، أولا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾، فإن أكثر المفسرين يقولون بأن البيِّنة هي الحجة والبرهان، ويقصدون بذلك المعجزة، بل ينصون على ذلك أيضا، نعم.
ولكن الحقيقة أن في قصص الأنبياء والمرسلين بيَّن الله عز وجل لنا جوانب من قصصهم تفصيلا، وطوى عنا ذكر بعض التفاصيل حكمةً منه جل وعلا، وهذه الحكمة تدور حول عدم الحاجة إلى بيان ما طوي عنا ذكره، لكننا مع ذلك نجد أن الناس يلحون في طلب هذه التفاصيل التي طوى ربنا جل وعلا عنا ذكرها ولم يُشر إليها تفصيلا، فينبغي لنا أن ننتبه إلى هذا؛ لأن طلب ما لم يقم دليل عليه قد يدفع بالمرء إلى التعنت في فهم كتاب الله عز وجل، وفي التعامل مع آيات الكتاب العزيز.
الأمر الثاني: أنه في سورة هود نفسها نجد أن الله تبارك وتعالى أشار إلى أن هودا عليه السلام قد أتى قومه بآيات، لأن الله عز وجل يقول في سورة هود: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: 59]، وهنا ثلاث فوائد أو ثلاث لطائف تفسيرية.
اللطيـفة الأولى تتعلق بالآيات محل السؤال، فالقرآن الكريم صريح في بيان أن عاد –الذين هم قوم هود– جاءتهم آيات، لكنهم جحدوا بها، فالله عز وجل نصب لهم الآيات على لسان هود عليه السلام، ولكنهم جحدوا بها بنص هذه الآية الكريمة، ولا شك أن السنة تؤكد هذا المعنى، وهناك رواية وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرواية في الصحيحين: «ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن عليه من قومه من مثله» –أي من مثلها–، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا أن الله تعالى آتاني هذا الكتاب العزيز، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» أو فيما معناه عليه الصلاة والسلام، فيما قاله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله عليه وسلم.
إذاً كل الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام جاءوا أقوامهم بآيات بينات تؤكد صدق دعواهم وتدعوهم إلى الإيمان، إلا أنهم تعنتوا.
فاللطيـفة الأولى في هذه الآية الكريمة في آخر قصة هود عليه السلام في سورة هود: أن الله تبارك وتعالى نصب لهم الآيات: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾.
وأما اللطيفة الثانية –ويمكن أن نتعرض لها إجمالا– فإن الله تعالى قال: ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾، مما يمكن أن يُستنبط منه أنه في وقت هود عليه السلام –لأن صيغة الجمع للعلماء فيها توجيهان: التوجيه الأول أن من كذَّب رسولا أُرسل إليه فكأنما كذَّب كل الرسل، نعم، والوجه الثاني أن يُحمل على حقيقته، وهذا أقرب إلى النفس، لا حاجة إلى التأويل، لأن القرآن الكريم أيضا صريح في أن جملة من الرسل يتزامنون، أن يكونوا في وقت واحد، وأضرب لهم مثلا: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ • إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ [يس: 13-14]، وهذا أيضا يمكن أن نعود به إلى نوح عليه السلام؛ لأن الله تعالى أيضا قال عنهم: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105]، وإنما –كما هو الشأن في كثير من رسالات الله تبارك وتعالى– هناك الرسول الأظهر، فهود عليه السلام هو الرسول الأظهر، هو الذي يتلقى الوحي، وموسى عليه السلام –مع أن هارون معه في الرسالة– إلا أن الذكر في كتاب الله عز وجل لموسى عليه السلام، والاختصاص بالرسالة كان لموسى، ثم طلب من ربه جل وعلا أن يشرك معه أخاه هارون، نعم، وهكذا، وكذا يمكن أن يُقال في دعوة نوح عليه السلام.
الحاصل أن هذه اللطيفة تتعلق بهذا المعنى الذي ينبغي أن يُتأمَّل ويُنظَر فيه، نعم.
وأما اللطيفة الثالثة فهي في فهم ما كان عليه قوم عاد، ما كانت عليه عاد قوم سيدنا هود عليه السلام، فجليٌّ أنهم كانوا في عتوٍّ وجبروت، بدليل قوله جل وعلا: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، ولذلك ذهب بعض المفسرين إلى أن معجزة سيدنا هود عليه السلام هي ثباته في وجه جبروتهم وتعنتهم وظلمهم وعدوانهم، ولذلك قال لهم: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ﴾ أو كما قال –فمعناه–: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾، تحداهم بهذا؛ أنه مع ما أوتوه من القوة والجبروت والمدنية والسلطة، إلا أنهم ما استطاعوا أن يمسُّوه بسوء، فكان ينشر دعوته فيهم، واستجاب له من استجاب، وهم بين ظهراني هؤلاء العتاة المتجبرين المتكبرين، فما استطاعوا أن يمسوه بسوء حتى جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله، فأهلكهم الله تبارك وتعالى كما قال في كتابه الكريم: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: 6]، هذا والله تعالى أعلم.