⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الفقه موجود، والقرآن واضح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، خطابٌ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، في ذلك الوقت في الصدر الأوّل حيث كانت النفوس صافية، وكان الناس حول الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، ولكن مع ذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالتثبّت، بالتبيُّن، حتى لا يُصاب قومٌ بجهالة.
وهذا له ارتباطٌ بقصّة: عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً إلى قومٍ ليجبِي زكواتهم، فإذا به يأتي إليه ويذكر له بأنهم ارتدّوا وأنهم فعلوا وفعلوا وفعلوا، مع أنه هو نفسه كان عدوّاً لدوداً، حاول أن يتوصّل إلى انتهاك المحارم، قال: إنه يتبوّأ من بيوتهم ما شاء، ففتحوا له بيوتهم، قال: ويتبوّأ من نسائهم ما شاء، هذا خطير.
فأرادوا أن يتثبّتوا، ولكن أفعال الناس هكذا، يعني أحياناً فيها اندفاع إلى الباطل من غير مبالاة، فلابد من تثبّت، مع أن هذا ائتمنه الرسول صلى الله عليه وسلم على أمرٍ مهم، ائتمنه على الزكاة، فلذلك جاء الأمر بالتثبّت أن لا يُصاب قومٌ بجهالة.
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى أنزل في كتابه قرآناً يُتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هذا القرآن جاء تبرئةً لساحة يهوديٍّ أُلصقت به تهمة وهو منها بريء، لماذا؟ لأن يثبِّت الله قلب النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا تزيغَه هذه الزعازع من أحاديث الناس فتقلِبَه ذات اليمين وذات الشمال.
ثم ذكر الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ مَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
يعني هذا كلّه لأجل تبرئة يهوديٍّ، يُتلى في الصلوات وفي غيرها، لماذا؟ ليكون منهج الناس منهج عدلٍ في معاملة الأمور، ومنهج حكمةٍ في تصرّفاتهم.
فإذا المنهج موجود، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم: كم من أحاديث عنه تحذِّر ما تحذِّر من التسرّع في نقل الأخبار؛ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»، كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكلّ ما سمع.
وإذا كان هذا في مجرّد التحديث في المجالس المعتادة، المجالس الضيّقة، فكيف إذا كان هذا بواسطة هذه الآلات التي لا يكاد يُبثّ فيها الخبر حتى تتناقله الآلات الأخرى آلةً بعد آلة، وينتشر إلى آفاقٍ من الأرض، ينتشر الخبر من المشرق إلى المغرب، من مشارق الدنيا إلى مغاربها في لحظة عين؟ لا ريب أن خطورة ذلك خطورةٌ كبيرة.
والنبي صلى الله عليه وسلم بيَّن خطورة اللسان، يقول: إن الرجل ليتكلّم بالكلمة ما يتبيّنها، تهوي به في النار أبعد ممّا بين المشرق والمغرب؛ كلُّ ذلك لأجل خطورة الحديث بغير حقّ على الإنسان أن يتبيَّن فيما يتحدّث به، فيما يُلقيه إلى الناس.
وإذا كان هذا في مجرّد الحديث كما قلنا ولو كان بين فردٍ وفرد، فكيف بهذه الأحاديث التي تُتناقَل عبر هذه الوسائل حتى تملأ الدنيا بأسرها؟ أمرُ ذلك في منتهى الخطورة.