⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا باب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، وانفعنا واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فالجواب: أن هذا الحكم من ربنا تبارك وتعالى عامٌّ في كل من كفر به وباليوم الآخر، وإن كانت الآية الكريمة من سورة آل عمران نزلت في قوم مخصوصين، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي تصدق فيهم، وتصدق في كل من كفر بالله تعالى واليوم الآخر وأعرض عن ذكره.
استنادًا إلى ما نجده في كتاب الله تبارك وتعالى مما يتفق مع هذا المعنى، فالله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36].
وأما ما ذكره السائل مما استشكله فإنه منتفٍ؛ بأن العذاب أنواع وأصناف، فلا يلزم مما يراه الإنسان على غيره ظاهرًا من رغد العيش أو من ترف الحياة أن هذا الإنسان في سعادة وسرور وطمأنينة ويسر معيشة؛ لأن الأذى الذي يصيب بني البشر في نفوسهم أعظم أثرًا.
ولهذا نجد أن الله تبارك وتعالى في قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ هذا الضنك يصيب النفوس، ويعتري القلوب، ويحوّلها إلى اضطراب وقلقلة وسوء معيشة، وإلى أمراض وآفات وعلل تصيب هذه النفوس، وهذا ما نشهده في واقع حياة كثير من الأمم المترفة البعيدة عن الرشد وعن الصراط المستقيم.
فتجد ارتفاعًا في نسبة الجرائم –على سبيل المثال– بحيث لا يأمن الإنسان على نفسه ولا على ماله ولا على عرضه، ويقاس معدل ارتكاب الجرائم بالدقائق والثواني في كثير من هذه المجتمعات التي يراها صاحب النظر الظاهر السطحي أنها مرفهة منعَّمة.
وكذا الحال بالنسبة لفشو حالات الانتحار بسبب الاضطراب النفسي والتوتر والقلق وحالات الاكتئاب التي تصيبهم، وكذا الحال حينما نفحص أكثر فنجد أن كثيرًا من هؤلاء المرفَّهين المنعَّمين إنما هم من المدمنين للخمور والمخدرات وللشذوذ الجنسي، وهذا مما تصرح به الإحصائيات والمجلات، وكثيرًا ما تنكشف هذه الفضائح بلا مواربة.
فهذا إنما هو من العذاب الذي يصيب به ربنا تبارك وتعالى أهل هذه المدنيات التي تبتعد عن الصراط المستقيم وعن هدايات الوحي ومراشد الدين والقيم والأخلاق التي جاء بها الأنبياء والرسل؛ فإنهم يعيشون في ضنك، وفي اضطراب، واكتئاب، وقلاقل، ومحن، وفتن، ولا ينقذ من ذلك كله إلا السير على هدي الرشد والصلاح والخير والاستقامة.
فهذا هو معنى التعذيب الذي يصيب به ربنا تبارك وتعالى الذين يكفرون به ويكفرون باليوم الآخر، ولا يلقون للآخرة بالًا، ولا يرفعون للدين رأسًا.
فلا ينبغي للمسلم أن يغتر أيضًا بما يراه من بعض مظاهر المدنيات؛ إنما وصلوا إلى ذلك بفعل جدِّهم واجتهادهم في تحصيل العلوم وفي الكدح في هذه الحياة الدنيا؛ فإن الله عز وجل قد أرسى نواميس في هذه الحياة، من أخذ بها تحققت له النتائج، لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن من بلغ تلك الغايات أنه يعيش في هدوء وطمأنينة وانشراح صدر، وفي سكون، ويعيش في علاقاته مع غيره في انسجام ومودة ورحمة.
ولذلك نجد –حتى فيما يتعلق بالتشتت الأسري بين القرناء، لا أقول بين الأزواج الآن، وإنما نقول بين القرناء، وبين الأقارب، وبين الأولاد وآبائهم وأمهاتهم، وهؤلاء مع الأولاد فيما بينهم– حياة مقطعة الأوصال، ومعيشة أشبه بمصانع الآلات التي تفقد فيها معاني الرحمة والإنسانية والقيم والأخلاق؛ فأي عذاب يمكن أن يكون في هذه الدنيا أشد من مثل هذا العذاب؟ والله المستعان.