⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، أولًا: هذه المقولة –وحسنًا فعل إذ قال: مقولة–؛ لأن الكثير من الناس يظنون أن هذا الأثر حديثٌ صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس هو كذلك؛ فهذا الأثر –وإن ورد مرويًّا عنه عليه الصلاة والسلام– إلا أنه ليس بحديث صحيحٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد ورد في أشهر طرقه مرسَلًا من طريق الحسن البصري، ووُرد من طرق متصلة مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنها ضعيفة؛ فالحاصل أن هذا الأثر ليس بحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما رُوي عن بعض أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، أخذًا مما ورد في كتاب الله عز وجل في سورة الشرح: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
أخذًا من بعض قواعد اللغة: إن إعادة المفردة معرَّفة يدل على أن الثانية –أي المفردة الثانية– إنما التعريف فيها على سبيل يُسمَّى بالعهد الذكري؛ أي أنه ذُكر سابقًا، فـ«ال» في «العسر» الثانية تشي على أن هذا العسر هو نفس العسر الأول المذكور، أما التنكير في «يُسْرًا» و«يُسْرًا» فإنه يدل على المغايرة؛ يدل على أن هذا اليسر الثاني هو غير اليسر الأول المذكور، ولهذا استنبطوا من لغة القرآن الكريم أن العسر المذكور في الآية الكريمة واحد، وأن اليسر اثنان، وهذا توجيه حسنٌ مقبول.
وبقي التنبيه على أن كثيرًا من الناس أيضًا يفهمون أن هذه المعية تعني البعدية، وليس الأمر كذلك؛ فإن الآية قالت: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾؛ لأن يأتي معه، فإن كان يأتي معه فإنه لا يتركه حتى يزيله ويذهب أثره، طالت الأيام أو قصرت.
فينبغي للمسلم أن يعلم أولًا أن الحياة ابتلاء، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]، ويقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ، لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، وأن عليه مواجهة هذا البلاء بالصبر والمصابرة، وبالتوكل على الله تبارك وتعالى، وباتقواه؛ حتى يكون أهلًا لأن يفرِّج الله عز وجل عنه، ويكشف كربه، ويسِّر ضيقه.
فهي أسباب عليه أن يأخذ بها، وهذه الأسباب مقدورٌ عليها، لا سيما حينما يثق المسلم بوعد الله تبارك وتعالى له كما في هذه السورة؛ طالما أن هذا المكلَّف –حينما يُصاب ببلاء في نفسه، أو في ولده، أو في أهله، أو في ماله، أو في مجتمعه– فإنه يأخذ بهذه الأسباب، بدءًا من اليقين الذي عنده أن الله تبارك وتعالى هو المتصرِّف في الأمور كلها، هو الذي يدبِّر الأمور، وأنه متى ما أظهر من نفسه الصبر والتوكل عليه جل وعلا، فإنه سيتكفَّل له بالتيسير والتخفيف والتفريج.
قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]؛ ربنا تبارك وتعالى تكفَّل لمن يتقيه بأن يجعل له من أمره يُسرًا، وأن يفرِّج عنه ضيقه ذلك، وأن يرزقه من حيث لا يحتسب.
فعليه أن يستصحب هذه المعاني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا، وَرَابِطُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
فهذا العبد المكلَّف حينما يمر ببلاء، ويُظهِر الصبر والجلد، ويتعلَّق بالله تبارك وتعالى، ويُحسِن ظنَّه بربه تبارك وتعالى، ويوقن أنه سيكشف عنه تلك الضرَّاء، وسيزيل عنه البؤس والبأساء؛ فإنه قد أخذ بسبب وثيق يمكِّنه –بفضل الله تبارك وتعالى– من مجاوزة تلك المحنة، ومن تخفيف آثارها، ومن إزالة بقايا الحزن التي يجدها في نفسه، أو الضيق الذي يلمُّ به.
فهذا هو معنى هذه الآية الكريمة، أو هاتين الآيتين الكريمتين، وهذا هو ما يتعلق بالمقولة وما يستند إليه هذا المعنى من مواضع أخرى في كتاب الله عز وجل.