⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه القضية تحتاج إلى نظر ودراسة من متخصصين، تحتاج إلى استقراء وتحليل لجملة من العوامل والمؤثرات، لكن مما هو ظاهر أن هناك ثقافة أقرب إلى الاستبداد.
تقول: الرجال ثلاثة – إن أذنت لي بهذه الحكمة – رجلٌ رجل، ورجلٌ نصف رجل، ورجلٌ لا رجل.
أما الرجلُ الرجل فهو الرجل ذو الرأي الذي يشاور؛ لأنه يجمع إلى حصافة رأيه آراء الآخرين.
وأما الرجل نصف الرجل فهو ذو رأي لكنه لا يشاور، يستبد برأيه.
وأما الرجل الذي هو لا رجل، فهو غير ذي رأي ولا يشاور، وما أكثر هذا الصنف في واقعنا للأسف الشديد.
فهناك غياب لثقافة التشاور والتناصح، وتهيئة الظروف لإبداء الآخر آراءَهم في شأنٍ من الشؤون، وقَبول هذا الرأي، ومناقشته، وبناء الحوار حوله؛ مما يستدعي كل الجهود لإحلال الشورى في منزلتها اللائقة، واعتمادِها مبدأً في حياتنا؛ داخل الأسرة كما رأينا في توجيه الله تبارك وتعالى في سورة البقرة فيما يتعلق بفطام رضيع، مع أنه لا يُتصوَّر أن يكون أحد الزوجين قاصدا إلحاق الضرر بطفله، لكن مع ذلك أُرسي هذا المبدأ داخل الأسرة.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى داخل بيته مع نسائه؛ في قصة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما حكى ما أخذته نساء المهاجرات من نساء الأنصار، أنهن كن يراجعن أزواجهن، فعتَب عمر بن الخطاب رضي الله عنه على امرأته حينما راجعته، فقالت: وما تعتب عليَّ في ذلك؟ فوالله إن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُراجِعْنَه، فذهب يتأكَّد عمر بن الخطاب فسمع حوار نساء النبي عليه الصلاة والسلام رضوان الله تعالى عليهن له صلى الله عليه وآله وسلم.
فكانت الممارسة داخل الأسرة؛ ولذلك نحتاج إلى أن نعيد المشورة إلى أسرنا بين الزوجين، بين الوالدين وأولادهم، فيما يتعلق بإدارة شؤون الأسرة، فيما يتعلق بالشأن الاجتماعي، فيما يتعلق بصلة الرحم، هناك شؤون كثيرة جدا.
ثم تُنقَل أيضا إلى المدرسة، إلى المؤسسات التعليمية، حتى تكون ثقافة عامة.
وأيضا – لأنه مما يتصل بالشورى، وهذا ملحظ ينبغي أن ننتبه له، وهو ملحظ إيماني – مع كون الشورى مبدأ، إلا أن كثيرا من أهل العقل والرأي، مع كونهم كانوا لا يبخلون بآرائهم، لكنهم كانوا يتورَّعون من العمل بآرائهم؛ بمعنى أنهم كانوا يتمنَّون ألا يُعمل بآرائهم؛ لأن ذلك الرأي الذي صدر منهم إنما صدر عن اجتهاد وتمحيص نظر، فأبدَوا رأيَهم لكنهم لا يُلزِمون غيرهم بذلك الرأي.
وهذا مما أيضا نقع فيه؛ فإن ممارسة الشورى تستدعي الخُلُق القويم، وتستدعي القيم النبيلة، وأدب الحوار، وأدب الحديث، وأدب الاستماع، وأدب المناقشة، حتى يمكن الخُلص إلى ما هو أفضل وأحسن للجميع.
إذا لا بد من إعادة مكانة الشورى إلى واقع حياة المسلمين، ولا بد من نفي صور الاستبداد بكل أنواعها؛ سواء كان استبداد أفراد داخل أسرهم، أو كان استبداد مجموعات، أو كان استبداد أنظمة؛ لأنها لا تورِّث إلا مزيدا من التفرُّق والضعف والذلَّة والظلم – والعياذ بالله، عياذ بالله.