⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فالجواب أن هذه التشريعات التي وجدت في كثير من مجتمعات المسلمين، مما نجد فيها أن هذه الأنواع من الوساطات والمحسوبيات إنما هي من الشفاعات السيئة التي تترتب عليها عقوبات، أو التي تقضي هذه التشريعات أنها داخلة فيما يستوجب العقوبة أو التعزير بوجه من الوجوه، وهي مستمدة في حقيقتها أو موافقة إن لم تكن مستمدة من حيث الأصل، إلا أنها تندرج في أصول التشريع الإسلامي، فهي مستوحاة أو موافقة لكتاب الله عز وجل ولسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، وأقل ما يقال فيها في بعض صورها المسكوت عنها أصلًا في الأدلة التشريعية أنها تندرج في باب المصالح المرسلة لأنها مما شهد له الشرع بالاعتبار.
نعم، فهي الأصل فيها أنها داعية إلى حفظ حقوق الناس، ورفع وجوه الظلم والبغي والعدوان، والميزان بين الحقوق والواجبات، وإرساء القسطاس المستقيم، ومنع وجوه الفساد، وسد الباب عنها، ووقاية المجتمع مما يمكن أن يورثه ضعفًا وذلة وخللًا في بنيانه وفي أركانه، هذا أقل ما يمكن أن توصف به: إنها مندرجة في المصالح المعتبرة شرعًا.
نعم، ومع ذلك فإن أغلبها، أي أغلب هذه النظم، هو موافق لما في كتاب الله عز وجل ولسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام كما تقدم في بيان بعض الأدلة الشرعية.
ولو أخذنا موضوع بعض صور الرشا أو الشفاعة السيئة أو المحسوبية والواسطة، فإنها لا تخلو من أن تندرج… أما أن تكون شفاعة سيئة، والله تبارك وتعالى يقول عن الشفاعة السيئة بعدما بيّن حكم الشفاعة الحسنة فقال: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾، وكان الله على كل شيء مقيتًا، فإن كثيرًا من علماء الإسلام يرون أن أمثال هذه الشفاعات السيئة يمكن أن تكون مما يعزّر عليه، والتعازير هي عقوبات دون الحدود المنصوص عليها نصًّا، وهذه التعازير تكون بحسب الفعل والأثر المترتب عليه.
جميل، وقد تكون من الغلول، والله تبارك وتعالى توعّد على الغلول في كتابه، قال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وقد نص أيضًا علماء الإسلام على أن الغلول هي مما يستوجب التعزير والعقوبة، ويمكن أن تكون من السرقة، والسرقة منصوص على حكمها في كتاب الله عز وجل، ويمكن أن تكون من الاختلاس أو الرشا التي حرمها ديننا بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه: «لعن الله الراشي والمرتشي»، وفي رواية –وإن كان للمحدثين فيها نظر–: «والرائش بينهما»، أي الذي يسعى بينهما في أمر الرشوة أو الرِّشوة، فهذه نصوص تدل على عظم خطورة هذه الأفعال جميعًا.
ونحن لو نظرنا حتى إلى الأصول العامة كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، لَرأى أن هذه من وجوه الإثم والعدوان؛ لأنها اعتداء على حقوق الآخرين.
… فهذه النصوص وغيرها تؤكد على أن الأنظمة المتعلقة أو التشريعات المتصلة بالمحسوبيات والرشا وأنواع الفساد المالي والإداري إنما هي موافقة لهذه الأصول التشريعية، كما أنها موافقة لروح الشريعة…