مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حكمة عربية القرآن

ما الحكمة في اختيار اللغة العربية لتكون وعاءً للقرآن الكريم؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد؛ فإن الحكمة التي تظهر من اختيار الله عز وجل اللغة العربية لتكون وعاءً لكلامه في كتابه المجيد، إنما تتجلى في جملة من الحكم. أولاها: أهلية اللغة العربية لكي تشتمل على المعاني التي يخاطب الله تبارك وتعالى بها عباده في كلامه المنزل على عبده ونبيه، على خاتم أنبيائه ورسله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لكي يكون معجزًا متلوًّا في الصلاة. فهذه اللغة مؤهلة، هي خير اللغات المؤهلة لتشتمل على المعاني والمضامين والهدايات والمراشد والحِكَم والأحكام، وكل ما يريد الله تبارك وتعالى أن يخاطب به عباده إلى أن تقوم الساعة. وهذا يعني أن فيها خصائص ذاتية في أساليبها، في تنوّع فنونها، في مفرداتها، في قواعدها، في كل ما تشتمل عليه في حروفها ومفرداتها وتراكيب جملها، وأنواع البلاغة فيها ووجوه البيان، في كل ذلك هي مؤهلة لكي تكون خير لغة يخاطب الله تبارك وتعالى بها عباده. وهذا ما نجده فيما وصف الله عز وجل به القرآن الكريم حينما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، أي لكي تعقلوا. وبيَّن أنه لو لم يكن كذلك لاحتاج الناس إلى كثير من الشروح والتفاصيل، لأنه قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: 44]، فهذه الآية –هذا بالنسبة للعرب– تشير إلى سبب اختيار اللغة العربية. و﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ أَعْجَمِيًّا﴾ أي بغير اللغة العربية، لقالوا هؤلاء المخاطبون –ليس العرب وحدهم فقط، الكل–: لولا فُصِّلَت آياته، سيحتاجون إلى كثير من الشروح والتفاصيل والتبيين، مما يفوق طاقتهم وقدرتهم في حدود الغرض الذي يريده ويبتغي ويقصده هذا الكتاب العزيز. إذًا السبب الأول هو ما يتعلق باللغة ذاتها، من حيث كونها خير لغة معبِّرة عن المعاني التي يخاطب الله تعالى بها عباده، وهذا مبحث طويل في بيان كونها من اللغات التي تشتمل على الإعراب والبناء، وفي تنوّع أساليبها، وفي دلالات مفرداتها وجملها، بل في دلالات حروفها، وفي حلاوة نظمها وطلاوة جرسها، كل هذه مجتمعة مما فيه الكثير من الشروح، هي خصائص ومزايا هذه اللغة التي أهلتها لكي تكون الوعاء الذي اختاره الله تبارك وتعالى لكتابه الكريم. ثم إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]. والإعجاز لا يكون إلا فيما يبرع فيه القوم الذين بُعث فيهم ذلك النبي؛ فلو أن نبيًّا أتى قومه بمعجزة لا صلة لهم بمضمونها ومعناها، لما كانت فيها حجة عليهم؛ لأنهم سيعتذرون إليه أن ذلك مما لا صلة لهم به. وقد أُنزل هذا الكتاب العزيز والعرب في ذروة البلاغة والفصاحة، فلما أُنزل عليهم هذا الكتاب أخرس ألسنتهم، وتوقفت قرائحهم، شدَّهم هذا البيان والإبداع والجمال في كتاب الله عز وجل. ولذلك نجد أن قلوبهم –ممن استجابوا إليه– تفاعلت مع هذا النظم القرآني، وأولئك الذين كابروا الحق فإنهم حسدوا المسلمين، وحسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما آتاهم الله تعالى من فضله، لكنهم ما استطاعوا أن يأتوا بمثله، والله تبارك وتعالى يؤكد أيضًا هذا المعنى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23]. وهذا السبب الثاني: أن الله تبارك وتعالى بعث خاتم أنبيائه ورسله، النبي الأمي محمدًا صلى الله عليه وسلم، في أمة أمية من حيث حضارتها، ومن حيث عدم معرفتها بالقراءة والكتابة، من حيث عدم معرفتها بالكتابة خصوصًا، مع كونها فيما يتعلق بآداب اللغة نظمًا ونثرًا بارعة، وكانت تعقد فيها الأسواق، وتقام فيها المسابقات، وكانوا يُحتكم إليهم في المميِّزة والمفاضلة بين ما يقدمه الأدباء من شعراء وخطباء وكُهّان وعَرَّاف وغير ذلك وغيرهم، فكان يُحتكم إليهم. فجاء هذا القرآن الكريم، أُنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليبلِّغه إياهم، فتقوم عليهم الحجة من هذا الكتاب نفسه؛ فهو معجز، وهو نفس المنهج الذي كان يدعوهم إليه، ولذلك ما استطاعوا مجاراته، وما تمكنوا أبدًا من الإتيان بما دعاهم إلى الإتيان بمثله، وهو أقل سورة في كتاب الله عز وجل. ولو لم يكن ذلك، وجاء في أمة بعيدة عن الفصاحة، بعيدة عن البلاغة، لكان للناس من بعد حجة على هذا القرآن الكريم، فانتفت حجتهم، وتحقق الإعجاز ولا يزال متحققًا. وأما الحكم الأخرى فإنها جليّة اليوم؛ لأن هذا السؤال –مع كونه سؤالًا مهمًّا– لكن أوانه قد فات عندي، والدليل على ذلك أن هذه اللغة في حدها الأدنى حققت الغرض المقصود؛ فبعد ألف وأربعمائة سنة وزيادة، لم نجد من يشتكي أن هذا الوعاء فيه قصور أو خلل عن الوفاء بالمعاني؛ فإذا كانت اللغة وسيلة للتعبير عن المعاني، فإن هذه الوسيلة كانت كافية وافية بتحقيق هذه المعاني، مع تطاول هذه الأزمان، ورسالة الإسلام منتشرة في كل نواحي هذه الأرض، ودخل الناس من كل الأقطار، وبمختلف الألسنة والألوان والأعراق والشعوب والأراضي والأصقاع في هذا الدين. فهذا لما قلتُ بأنه لو وقفنا اليوم عند هذا الحد، حتى يفهم طلبة العلم والناس عمومًا –إن كانوا لا يعرفون شيئًا من أساليب العربية وفنونها ووجوه البلاغة فيها، ولا يعرفون أيضًا أو لا يتصورون معنى الإعجاز فيه– فلا أقل من أن يتصوروا أن هذه اللغة اليوم، مع مضي كل هذه الأزمنة المتعاقبة، ومع انتشار رسالة الإسلام في كل نواحي هذه الأرض، كانت هذه اللغة وافية بالغرض، محققة للمقصود في أسمى وأفضل المراتب وأعلاها. طيب، هناك سبب آخر وهو أخير يناسب موضوع حلقتنا اليوم، الذي يظهر أيضًا –وهذان السببان، هذا الذي سأذكره والذي ذكرته قبلا– لم أطلع عليهما، وإنما هو استنتاج؛ فإن كنت قد أخطأت فاستغفر الله، وإن كنت قد أصبت فبتوفيق من الله تعالى. لما تحدث العلماء، لا سيما من كتب وتحدث في إعجاز القرآن، عن خصائص اللغة العربية وأساليبها وبلاغتها وبيانها –وذلك صحيح لا شك فيه، لا مِرْيَة فيه– لكن الذي ينبغي أن يُضاف –كما أثبت الواقع ثبوت الشمس في رابعة النهار– قابلية هذه اللغة لتنقل هذه المعاني إلى اللغات الأخرى. للتوضيح أكثر: من أسرار هذه اللغة العربية، من خصائصها ومزاياها، قابليتها لأن يُترجم منها إلى لغات أخرى، أي أن تُنقل المعاني والمقاصد من هذا النص إلى اللغات الأخرى دون كثير مشقة وعناء. وأقول: دون كثير مشقة وعناء؛ لأن من مارس الترجمة يدرك ما أقصده حينما يترجم من نصوص أخرى إلى اللغة العربية، أو بين نصوص حتى ولو كانت تنتسب إلى مرتبة واحدة من اللغات بحسب تصانيف اللغات. ففي اللغة نفسها قابلية لأن تُنقل هذه المعاني والمقاصد إلى اللغات الأخرى بما يحقق ولو الحد الأدنى من المقصود؛ ولذلك تجاوبت معه النفوس، وانقادت له العقول، وأُعجبت به الأذهان. هذا في القرآن الكريم فقط أم اللغة العربية بشكل عام؟ في اللغة العربية بشكل عام التي هي وعاء القرآن الكريم، لا؛ ولكن كل هذا لا شك أنه فيما يتعلق بالقرآن الكريم هو في المرتبة الأعلى، وفي الدرجة السامقة، وفي أظهر تجلياتها؛ لأن هناك من يقول بأن الروايات التي تُؤلَّف بلغات مختلفة، عندما تُنقل للعربية يكون الجمال فيها أفضل، ويكون التعبير فيها أجمل؛ فهذا مما يُحسب للغة العربية، وهو جزء من هذه الخاصية التي كنت أتحدث عنها.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

سؤال أهل الذكر | الأحد 4 ديسمبر 2016م

القرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

حكمة نزول القرآن بالعربية

2 👁

ما الحكمة في اختيار اللغة العربية لتكون وعاء للقرآن الكريم وقد نزل بلسان عربي مبين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٤‏/١٢‏/٢٠١٦

معنى الحكمة في القرآن

2 👁

ما معنى الحكمة الواردة في آيات الكتاب العزيز؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٧‏/١٠‏/٢٠٢٢

حكمة نزول القرآن برمضان

2 👁

ما الحكمة في اختيار شهر رمضان ظرفاً زمانياً لنزول القرآن الكريم مع اختيار اللغة العربية لهذا الكتاب العظيم؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٧‏/٦‏/٢٠١٦

هل الترجمة تغني عن العربية

2 👁

إلى أي مدى تمنع تراجم القرآن الأعاجم من تعلم العربية، وما النصيحة لهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

حكمة علم التجويد

3 👁

لماذا يتميز القرآن الكريم بوجود علم التجويد وهل يلزم القارئ أن يجود القرآن؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/٢‏/٢٠١٨

كيفية تدبر القرآن

4 👁

كيف يستطيع المسلم التدبر والقراءة من خلال آيات الله تعالى؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠