⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اما بعد فان الله تبارك وتعالى اراد لهذه الامة حينما ارسل اليها خاتم انبيائه ورسله محمدا صلى الله عليه وسلم ان تكون متميزة في هويتها مستقلة في ذاتها مدركة لحقيقة وجودها في هذه الحياة الدنيا، واعية بما اراده لها ربها جل وعلا، ومن اجل ذلك فان هذه الهوية المتميزة التي اكرم الله تبارك وتعالى بها هذه الامة انما هي امتداد للرسالات التي بعث بها ربنا جل وعلا انبيائه ورسله، وهي باختصار شديد عنوانها وشعارها الاسلام؛ فهويتهم الاسلام، والذين ينتسبون الى هذا الدين بقطع النظر عن الوانهم واعراقهم واصولهم وثقافاتهم وعن كل ما يمكن ان يختلف فيه الناس او تتنوع فيه البشرية، انما جامعهم الموحد وهويتهم التي يعرفون بها هي الاسلام.
والدليل على ذلك ان الله تبارك وتعالى في مواضع كثيرة من كتابه الكريم يعرفهم بذواتهم بانهم مسلمون ويعرف غيرهم بهم بانهم مسلمون، افرادا او مجتمعا او امة؛ نجد في سورة الحج ان الله تبارك وتعالى في آخر آية من سورة الحج يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ…﴾ [الحج: 78]، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس؛ فالله تبارك وتعالى هو الذي سمى مسلمين، وجعل الحكمة من وراء هذه التسمية ان يكون الرسول علينا شهيدا وان نكون شهداء على الناس.
ومعنى ذلك حينما يكون الرسول شهيدا علينا في التزامنا بهذه الهوية وفي ادراكنا لحقيقة ذواتنا ثم في تعريفنا لغيرنا بهذه الهوية التي ارتضاها لنا ربنا جل وعلا، ولذلك نكون شهداء على الناس؛ ففي الوقت الذي عرفنا فيه باستقلال شخصيتنا فانه دعانا في هذا السياق الى ان نعرف غيرنا بهذه الهوية وان نبسط فيهم المعاني والمحاسن التي يشتمل عليها.
ولذلك نجد ان هذا المعنى يتكرر كثيرا في كتاب الله عز وجل، وبفهمه وادراكه الوعي التام يمكن لنا ان نفهم هذه الحادثة التي تسألون عنها؛ فنحن نجد ان الله تبارك وتعالى يقول – يؤكد هذا المعنى – في قوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 161-163].
ويقول متحدثا عن عموم من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا، معرفا اياهم بحقيقة الشعار الذي يرفعونه والهوية التي ينتسبون اليها: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
ومن اجل ذلك كله فانه لا غرابة ان نجد ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يزكي في نفوس امة الاسلام – من خلال ما يوصي به اصحابه رضوان الله تبارك وتعالى عليهم – تلك القوة الدافقة والانبعاث الحضاري ومعالم الشخصية المستقلة، وينفي عنهم الجمود والجهل، ويبعث فيهم معاني الحق والعدل والحضارة والرحمة والخلق والمعاني الكريمة والخصال الفاضلة.
فحينما يدعوهم لمبايعته فانه لا يقتصر على ما يتصل بالجانب الايماني – وهو جوهر هذه الهوية – فانه كان يدعوهم الى مبايعته على الايمان بالله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وكما ورد في بعض هذه الروايات فانه كان يدعوهم في مبايعتهم له الى ان لا يسألوا الناس شيئا؛ فهو يدعوهم الى العفة، يدعوهم الى الترفع والبعد عن الاعتماد على الآخرين وبذل ماء الوجه في بلوغ مآربهم وتحقيق مقاصدهم، يدفع فيهم قوة دافقة تحقق لهم استقلالهم وترسم لهم معالم شخصيتهم وتجعلهم متعاونين فيما بينهم على بلوغ مقاصدهم التي ارتضاها لهم.
فإن المسألة المقصودة هنا انما هي سؤال الناس الحاجة، ان يسألوا الناس متاعا او حاجة مما لا يصح لهم ان يسألوه عنه او فيه؛ لان المسألة اما ان تكون محرمة او ان تكون مكروهة او ان تكون مباحة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام في هذا السياق – في سياق المبايعة، لان لفظ او جملة عدم سؤال الناس شيئا وردت في سياقات عديدة، سواء كانت في وصاياه صلى الله عليه وسلم لاصحابه او كانت في وعدهم بالثواب في الآخرة وبان يتكفل لهم صلى الله عليه وسلم بالجنة ان تكفلوا هم له بهذه الخلة او بهذه الخلة وهي الا يسألوا الناس شيئا – اراد لهم ان يترفعوا وان يتساموا من ان يكونوا عالة على غيرهم، ان يتواكلوا.
علماء الحديث ايضا في نفس السياق في باب من تحرم عليه المسألة ومن تكره له، نجد الروايات الداعية الى ان يعمل هذا المسلم وان يسعى الى ان يكدح ليكسب رزقه، وهذا دليل على انه لا يراد لذات كسب الرزق، وانما اتت في سياق هذه الوصية، اتت في سياق بيان معالم استقلال شخصية المسلم وسعيه الى الجد والعمل؛ وهذا هو الذي يحقق له معنى اسلامه، لانه انبعاث لحقيقة ايمانه بالله تبارك وتعالى واليوم الآخر، وادراك بحقيقة وجوده في هذه الحياة الدنيا، ووعي تام بضرورة ان يترفع عن شهواتها وعن زخارفها وعما فيها لانه منقول عنها الى الحياة الآخرة.
ولذلك نجد ان اكتمال معالم استقلال هذه الشخصية انما يكون بمثل هذه الوصايا من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليه الصلاة والسلام.