⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا يهمنا أن نتعرف على الأسباب لِمَ لَمْ يؤدِّ الفقهاء دورهم فيما سميتموه بالتجديد، وهي تسمية في محلها؛ لأنها مأخوذة أيضًا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»؛ فالمقصود بالتجديد: بعث هذه العلوم في واقع حياة الناس في مختلف الجوانب.
فلما آل الحال إلى تهميش الفقه الإسلامي من واقع الحياة –وهذه هي الأسباب التي أفضت إلى الخلل في قيام الفقهاء بدورهم، مما أفضى إلى ضعف نسبة قدرة الفقهاء لمواجهة هذه المستجدات– أقول: تهميش الفقه من واقع الحياة، وانتشار الجهل والأمية بين المسلمين، وعدم الاحتكام إلى الفقه الإسلامي على المستوى التشريعي كما أراد الله تبارك وتعالى، مع التنقص منه أيضًا في واقع حياة الناس من قبل مَن تقدمت الإشارة إليهم من ذوي النفوس المريضة أو من ذوي الأغراض والعداوات لهذا الدين ولأهله وللإسلام والمسلمين، أو كان ذلك بسبب ضعف التعليم عمومًا في مختلف وجوه العلم اللازمة للمسلمين؛ فإن هناك ضعفًا عامًا، ومن ضمن هذا الضعف: ضعف تكوين الفقهاء تكوينًا علميًّا راسخًا عميقًا، فيُتَّخذ الناس رؤساء جُهّال، بالإضافة إلى أسباب أخرى.
انقلب الحال، وصار صنيع الفقهاء أنهم يبررون للواقع، فلا يحملون الناس إلى مراشد الفقه الإسلامي وإلى الغايات النبيلة السامية، وإنما يطوّعون لهم الواقع؛ فأدخلوا الأعراف والعادات والتقاليد، وجعلوها من الدين؛ فتارة يمنعون بدعوى سد الذرائع، وتارة يفتحون بحجة المصالح المرسلة، وهم في كل أحوالهم بعيدون عن حقيقة الأدلة الشرعية ومباني الاجتهاد الشرعي الصحيح الصادر من أهله، المعتمد على أدلته الصحيحة، لكن مع مِكنة إعلامية، ومع انتشار الجهل، راجت هذه التبريرات الفقهية التي طوّعت الدين، ولوَت أعناق النصوص، وأضعفت من هيبة الدين في النفوس ومن أثره في واقع حياة الناس.
هذا كله أفضى إلى أن تكون النسبة –إن أردنا أن نلخّص النسبة التي استطاع الفقهاء أن يواجهوا بها هذه المستجدات– نسبة ضئيلة للأسف الشديد، نسبة ضئيلة جدًّا؛ لأن كل هذه الوجوه حتى وصل الحال إلى الظن أن التفقه في دين الله تبارك وتعالى يقتصر على إعادة بحث ما فُرغ من بحثه، وجذب بعض هؤلاء الفقهاء إلى الأرض بفعل ما كان يصنعه عامة الناس، أو ما كان يفعله –ولا يزال– بعض المتفيهقين، من محاولة زيادة الفقه الإسلامي بتطويع بعض النصوص وليّ أعناقها لأجل مناقشة قضايا حُسمت، تجاوزها الزمن، واستقرّت، وبُنيت على أدلة صحيحة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأضعف ذلك من عزة المسلمين وهيبتهم وكرامتهم بين الناس جميعًا.
ففي الجملة: النسبة ضئيلة جدًّا، لا ترقى إلى مستوى ما يُنتظر من الفقهاء في تجديد الحياة ومواكبة المستجدات الحضارية والثقافية التي تفرض نفسها على المسلمين اليوم.