⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد، فإن سورة الكافرون المسؤول عنها سورة مكية، وهي من ست آيات كريمة، وما يُسأل عنه السائل هنا لا مدخل فيه لما يُعرَف في عالم اليوم بالتسامح، إذ إن هذه السورة الكريمة – مع الإيجاز الوارد في آخر آية منها، وهي قول الله تبارك وتعالى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6] – إنما يُقصد منها تيئيس الكفار من أن يكون لهم مطمع في محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو في الدين الحق الذي جاء به.
فقد عرضوا عليه عروضًا ليتخلى عن دينه، وعن عبادة الله تبارك وتعالى وحده ولو مدة من الزمن، في مقابل أن يقوموا هم أيضًا بالتنازل عن دينهم الباطل، والتوجه إلى قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم وعبادة الله تبارك وتعالى مدة من الزمن، فجاءت هذه السورة الكريمة قاطعة لمطامع هؤلاء الكافرين المشركين، وسدّت الباب أمام المساومة فيما لا مجال للمساومة، والملة.
فالسورة كلها فيها إعلان للثبات على الدين، والرسوخ في المعتقد، ونبذ ما يدعو إليه هؤلاء الذين قصرت أنظارهم عن إدراك حقيقة الدين، وعن معرفة مغبة التنازل عن شيء مما يدعو إليه هذا الدين في عقيدته، وفي تصوراته، وفي عبادته، وفي دعائه، وفي معاملاته، وفي ملّته وشرائعه.
فالسورة الكريمة سادّة لأي مطمح لدى هؤلاء في أن يتنازل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء من ثوابت الدين وعقائده وأحكامه القاطعة، نظير أن يدخلوا هم في دين الله ولو لمدة من الزمن. ولذلك فإن كثيرًا من الفقهاء يعدون هذه السورة سورة متاركة، ويقصدون بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطمح أن يدخل رؤساء أهل الكفر، صناديد قريش، أن يقبلوا هذا الدين، وإذا بهم يأتونه ويظنون أن مطمعه فيهم في قبولهم لهذا الدين قد يكون سببًا في أن يتنازل عن شيء مما يدعوهم إليه، وأن يُظهِروا للناس أن محمدًا تنازل عن شيء مما يدعوهم إليه، وقَبِل بآلهتهم، وترك عيب آلهتهم.
فجاء هذا الإعلان الرباني من الله تبارك وتعالى وحده، لأن السورة أيضًا صُدِّرت بقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]، فهو جواب حاسم من الله تبارك وتعالى أمر نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بإبلاغه لهم بأنه تارك، لا مجال – هذه متاركة – بينه وإياهم فيما يتعلق بشأن الدين.
وهذا لا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوقف عن دعوتهم ودعوة غيرهم، وهداية الناس وإرشادهم، وتبليغ دين الله تبارك وتعالى إلى الناس كافة، وإنما في هذا الخصوص حصلت هذه المتاركة.
وهذا يظهر لنا ما تقدم في صدر الجواب من أن هذه السورة التي اختُتمت بهذا البيان الموجز ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ إنما هي تيئيس للكفار، وقطع لدابر أطماعهم، وإعلان للثبات على المبادئ دون تقديم أي تنازل فيها.
وفي حقيقة معنى التسامح الديني الشرعي كما يريده لنا ربنا تبارك وتعالى هو هذا المعنى؛ أما التسامح بمعنى تقديم التنازلات، وقبول المساومة، والتنازل عن شيء من الثوابت، فهذا ليس بتسامح في حقيقته. فلذلك لا يصلح الاستشهاد – ولذلك صدَّرت الجواب بأن السورة الكريمة لا تحمل شيئًا من هذه المعاني التي تتوارد إلى أذهان عموم الناس اليوم.
وإلا فالحقيقة الشرعية للسماحة والتسامح – إن كان يُقصَد بها الحوار مع الآخر، والمجادلة بالحسنى، وبيان ما عندنا، والتعرّف على ما عندهم، ورد الشبهات، وبيان الحقيقة، وكشف الأباطيل، مع الكلمة الطيبة، والدعوة بالحسنى، وبيان محاسن هذا الدين، والدعوة إلى التعارف – فإن هذه المعاني هي من حقيقة معاني التسامح.
والله تبارك وتعالى بصرنا في كتابه الكريم بما هو أوسع وأدق، أوسع من حيث الدلالة، وأدق أيضًا من حيث المضمون والتطبيق، حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ إلى قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13] ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
والله تعالى أعلم.