⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هنا جانبـان؛ أما الجانب الأول – وهو الأهم والأولى، ولا يقتصر أثر التقصير فيه على ما يتعلق بالانحراف الخلقي بتعمد زيارة المواقع الإباحية والإدمان عليها، وإنما يمتد أثر التقصير فيه ليشمل حركة المجتمع بأسره – وما لم تدرك المؤسسات المعنية وأصحاب القرار خطورة هذا الجانب، فإنه لن يتأتى لهم إصلاح المجتمع، لن يتأتى لهم إصلاح المجتمع ولا النهوض بالأوطان.
هذا الجانب هو: وجود مشروع وطني تُصرَف له الطاقات، وتبذل فيه الجهود، ويُملأ الأوقات، ويُعزز الطموح، وهذا المشروع يحقق الانتماء.
لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة عليه الصلاة والسلام، فقد كان لهم مشروع بتحقيق الإيمان، ودعوة أكبر عدد ممكن من الناس إلى هذا الدين، ولذلك تحقق لهم الالتزام، ووجد الانتماء؛ فهذا المشروع لا بد أن يحقق الانتماء، شغل لهم طاقاتهم، ملأ لهم أوقاتهم، بذلوا من أجله أنفسهم وأموالهم، ضحوا في سبيل تحقيق هذا المشروع، وتعززت هويتهم بالانتماء – فيما بينهم – إلى هذه الجماعة.
لما وصل إلى المدينة المنورة بعد الهجرة، صار مشروعهم – مع المشروع الأول – تأسيس الدولة وبناء مؤسساتها، نعم، بكل ما تحمله هذه الكلمة من تحقيق الرفاه الاقتصادي، والأمن المجتمعي، والأمن العسكري، وتوثيق مواثيق وعهود مع سكان المدينة المنورة، وبدء نشر الدعوة خارج المدينة المنورة، حتى إذا ما تحقق النصر، نأتي بعد ذلك في آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب الله عز وجل نجد عودة إلى تأكيد المعنى، إلى تأكيد المشروع الأصلي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. نعم، فمشروع التوحيد والإخلاص لله تبارك وتعالى هو المشروع الذي بذلت فيه الأمة – آنذاك – تضحياتها، وكلَّ غال ونفيس في سبيل تحقيقه، وهو الذي حقق لهم الانتماء الصحيح، وهو الذي أبقى دفْع حضارة هذه الأمة إلى ما شاء الله تبارك وتعالى، حتى فرطت هذه الأمة وصارت بلا مشروع.
ولا أقصد بالمشروع رسم أهداف نظرية، فما أسهل ذلك، لكنه لا نفع لرأي لا نَفاد له؛ فيمكن للإنسان أن ينظر وأن يرسم الأهداف والطموحات، لكنها لا يمكن تحقيقها، أو أنه ليست هناك من البرامج والوسائل والخطوات ما هو كفيل بتحقيق تلك الأهداف؛ ولذلك قلت: بأنه مشروع – لا مشاحة في المصطلحات – الحاصل: إنه لا بد من وجود مشروع على المستوى الوطني، وهذا المشروع لا يعني أن يكون مشروعا متفردا واحدا، لكن الشباب اليوم يشعرون بضياع، وتجد أن لديهم الكثير من أوقات الفراغ، وأن طاقاتهم مهدرة، وأنهم لا يعرفون أين يوجِّهون ملكاتهم؛ لماذا؟ لعدم وجود مشروع وطني يمكن أن يستغل تلك الإمكانات والطاقات، وأن يوجهها نحو الوجهة الراشدة، نحو الخير والصلاح وتعمير الوطن، والعز والكرامة له، والعلم النافع، والمشاركة في البناء والحضارة، واتخاذ القرار، إلى غير ذلك من المشاريع التي يُصرفون إليها همتهم، ويذوقون حلاوة تحقيق أهدافهم، ويحقق لهم بعد ذلك الانتماء، الشعور بالانتماء إلى ذلك المشروع، وإلى الجماعة القائمة بهذا المشروع، وإلى الوطن المتبني لهذا المشروع، وينفي عنهم الفردية والانعزال، وينفي عنهم أنهم يبحثون عن معالم هويتهم هنا وهناك، ويجنبهم اتباع الهوى والشهوات.
هذا هو الجانب الأصلي لكثير من مشكلات الأوطان، وفي عالمنا الإسلامي تحديدا.
لابد من ذلك، ومع أن المسألة أكبر من مجرد صرف الطاقات البدنية أو توجيه الطاقات البدنية، إلا أن هذا جزء مهم في هذا المشروع؛ نحن نتحدث – أو ما أُشير إليه – ما يتعلق بمشروع وطني يحقق الكرامة والعزة، ويوجه الطاقات، بل يدفعها إلى التنافس لبناء هذا الوطن؛ غاية الشاب اليوم أن يجد وظيفة، ذلك غاية مطمحه، ولا يصح أن يقتصر نظره على مصدر كسب رزقه؛ يفترض أن يكون ذلك وسيلة، أن يكون وسيلة توصل إلى تحقيق أهداف لنفسه ولأسرته ولمجتمعه ولوطنه عموما.
وما أكثر المشاريع التي يمكن أن يُدفع بطاقات المجتمع إليها؛ حينئذ لا بد من أنشطة تُزكِّي لهم أخلاقهم، تُثقِّل لهم مواهبهم، توجِّه لهم طاقاتهم العقلية، تزكي لهم أيضا مواهبهم الأدبية، كما تفعل أيضا فيما يتعلق بالشأن البدني، فيما يتعلق بطاقاتهم البدنية، مجتمِعةً متآلِفة، وتحقق لهم أيضا الشعور بالانتماء لأسرتهم ولمجتمعهم ولهذه الأرض الطيبة التي لا تحتمل أن يقصر أصحاب القرار، وإلا فاتت الفرصة، وتحولت هذه الطاقة الكامنة للخير والبناء والصلاح والتعمير إلى أن تكون أدوات للإفساد والضياع وتضييع هذه الطاقات، والإفساد في هذا الوطن.
أما ما يتعلق بالجوانب التنفيذية في خصوص هذه المسألة، وحتى فيما يتعلق بجانب الرؤية بعيدة المدى والجانب الاستراتيجي، لا تخرج عن هذه القضية؛ لأنها – كما تقدم – سوف توجه الطاقات، تُصقَل العقول والمواهب، تحقق الانتماء، تحقق التآلف، سيكون الشباب شركاء في بناء هذا المجتمع، وسيجدون حلاوة ذلك، ويقبلون؛ لأن هذه الطاقات الشابة عليها تعويل كبير، وهي مستعدة للبذل والعطاء، وإنما هي بحاجة إلى إتاحة الفرصة.
أنا أضرب هنا مثالا: رأيت أن بعض الجسور – كما أخبرني بعض القائمين على هذه المشاريع – بعض الجسور الرئيسية قام بتصميمها طلاب في الجامعات، أُجريت لهم مسابقات، ففاز طلاب عمانيون لم يتخرجوا بعد، قُبلت تصاميمهم، ونُفِّذت بعد ذلك، وأعرف هؤلاء الشباب ومن كان يشرف على هذه الجسور الحيوية الرئيسية أيضا كانوا من الشباب العمانيين؛ هناك طاقات، لا بد أن تُتاح لها الفرصة، وأن يُعطى لها المجال لبناء هذا الوطن بمشاريع فيها تعمير وبناء وصلاح وإصلاح.
أما أن يأتيني أحد ويقول: لا، المشاريع إذا نأتي بمشاريع في تسخط الله تبارك وتعالى، ويقول: هذه هي المشاريع، هذا فيه إفساد، فيه هدر للطاقات، فيه إغضاب لله تبارك وتعالى.
لكن ما يتصل الآن ببعض الخطوات اللازم أيضا اتباعها – وقد أشار إليها الإخوة السائلون – كثير من البلدان – سأذكرها إن كان سريعا – كثير من البلدان – حتى في غير البلاد الإسلامية – اتخذوا هذه الخطوات: حجب هذه المواقع، وإن كان ذلك لا يمكن لأسباب قد لا نعرفها، فلا بد من التحقق من الهوية الحقيقية لمن يتصفح هذه المواقع، بحيث لا يمكن أن يدخل إلا ببطاقة هويته، لا يمكن له أن يدخل إلا وقد صرحت – يعني بلد مثل روسيا صرحت أنهم يشترطون ذلك، وكانوا أسبق من غيرهم، يشترطون التعرف والتحقق من الهوية الصحيحة؛ لأن مقصودهم حجب هذه المواقع في النهاية، بحيث لا يزورها أحد.
كذا الحال أيضا في المملكة المتحدة في هذا العام، في هذه السنة سيطبق أيضا نفس هذا القانون: بأنه لا يمكن لأحد أن يزور هذه المواقع إلا بعد التحقق من بياناته المدنية؛ فنحن – طبعا – لا ندعو إلى الاقتصار على هذا، وإنما نقول: الحجب أصلا – وهو متاح وممكن – وإن كانت هناك اتفاقيات دولية وغير ذلك، فشأن هنا – على الأقل – شأن هذه البلدان التي اتخذت خطوات.
من ضمن هذه الخطوات أيضا: تغليظ العقوبات على المروِّجين، ومن ينشرون هذه الإعلانات والدعايات والروابط؛ إغلاظ العقوبات والتشديد عليها؛ فليس خطر هذه المواقع بأيسر أو أقل من خطر الترويج للمخدرات والخمور.
كذلك أيضا من ضمن الوسائل أو الخطوات اليسيرة: تحقيق حصانة للأطفال خصوصا، بحيث تُعدُّ لهم برامج، تُقدَّم لهم دورات، يُؤهَّلون – بحسب مستوياتهم التعليمية – بما يُجنِّبهم الوقوع في هذه المواقع؛ فلا يكفي أن تكون العناية من داخل الأسرة فقط، بل لا بد أن يكون أيضا هناك دور للمؤسسات الرسمية، بشتى الوسائل المتاحة: في المدارس، في المعاهد، في المساجد، في الإعلام، في البرامج النافعة، مع تقديم البدائل، وأقصد بالبدائل: التي تصرف توجهات الأطفال – خصوصا – إلى ما هو نافع مفيد لهم، إلى ما يعرِّفهم بتاريخهم وتراثهم، ما يعزز هويتهم، ما يقيهم هذه الأهواء والشهوات.