مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تحصين الأسرة من الإباحية

كيف يمكن للأسرة أن تحصن نفسها وأبناءها من المواقع الإباحية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى قد أقام أود الحياة الزوجية على أسس متينة من السكينة والمودة والرحمة، وجعل ذلك من آياته في خلقه، فقد قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]. وأمر عباده المؤمنين أن يقوا أنفسهم وأهليهم نارًا وقودها الناس والحجارة، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ * عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. وحينما نهى عن الاقتراب من فاحشة الزنا بيّن أنها في ذاتها فاحشة، كما بيّن أنها سبيل، كل خطوة فيه تدفع إلى الخطوة التي بعدها، حتى يصل إلى نهاية يصعب عندها الرجوع ما لم تتدارك هذا العبد عناية الله تبارك وتعالى. نفهم ذلك من قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾، وقال: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. ولذلك فإن انغماس أفراد الأسرة – وقد يحصل ذلك من أحد الزوجين أو من الزوجين كليهما، ويمكن أن يحصل من الأولاد في الأسرة من الذكور أو الإناث، لاسيما إذا كانوا في سن المراهقة – يستدعي أن توجد هناك حلول ووسائل تقي هذه الأسرة الوقوع في هذا النفق المظلم؛ لأن عواقب الدخول في تصفح هذه المواقع أو بلوغ الإدمان عليها يؤثر على الأسرة بفقدان السكون المشار إليه في الآية المتقدمة، وبانعدام المودة والرحمة، ليس بين الزوجين فقط، ليس بين الأبوين فقط، وإنما من الأسرة كلها، وبحلول العنف داخل هذه الأسرة، مما يفضي بعدُ إلى التفكك الأسري، وإلى التشتت بين أفراد هذه الأسرة، وإلى انعدام المعنى الصحيح للأسرة. ولذلك فإن بداية الوسائل للعلاج إنما تكون بحسن أداء الواجبات التي أمرنا ربنا تبارك وتعالى بها؛ فعلى الأب مسؤوليات، وعلى الأم واجبات، وعلى الأولاد أيضًا واجبات، ولا يمكن أن يستقيم حال الأسرة إلا إذا أدى كلٌّ ما عليه من واجبات، والتزم ما عليه من أمانة ومسؤولية، ولا يفعل ذلك إلا ابتغاء مرضاة الله تبارك وتعالى، فهنا تسمو نفسه، ويطهر قلبه، وينشرح صدره؛ لأنه يقوِّي صلته بالله تبارك وتعالى، ويملأ نفسه إيمانًا صادقًا راسخًا يوجه له حركة حياته، ويدفعه إلى الإقبال على الصالحات والبعد عن المحرمات. فتعزيز الإيمان وتقويته في نفس كل فرد من أفراد الأسرة هي أولى الخطوات التي تمكن أفراد هذه الأسرة من تجاوز هذه المعاصي واتباع الشهوات، وذلك لا يعني الكلام النظري؛ فنحن بحاجة إلى ما يتعلق بهذه القضية تحديدًا من مراشد الدين. فلما قال لنا ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، فلا بد أن تؤسس الأسرة على اجتناب الاقتراب من الزنا، والعلم يقينًا أنه فاحشة عظيمة، وأنه سبيل يورث سخط الله تبارك وتعالى، كما يوقع الفرد في خطر عظيم في دنياه، مع الخطر الذي ما بعده خطر وهو خسران الآخرة. نأخذ على سبيل المثال قوله تبارك وتعالى في وصف من اصطفاهم من عباده المؤمنين: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: 19-27]، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج: 29-31]. هنا قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾، والحفظ للفروج يستدعي تجنب الوقوع فيما يمكن أن يورث هذا الإنسان إتيان الفاحشة؛ يعني الصيانة وحسن الرعاية وتجنب حصول ثُلْمة يمكن أن تخل بحفظ هذه الأمانة، فاستخدام كلمة ﴿حَافِظُونَ﴾ – ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ – يعني أنها أمانة على هذا الإنسان أن يرعاها، وأن يؤدي حقها، وأن يصونها، وأن ينزِّهها عن كل ما يَثْرِمُها. والسياق نفسه فإنه جاء بعد مشاهد القيامة في سورة المعارج مباشرة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، وجاء بعدها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: 32-33]. فالخطوة الأولى: تعزيز الجانب الإيماني تعزيزًا عمليًّا يتناول هذه المسألة تحديدًا؛ فلا بد للوالدين أن يحصِّنا أولادهما من الوقوع في ما يمكن أن لا يجد الأولاد منه بعد ذلك وقاية وحصانة، بالحوار، بالتوجيه والإرشاد، بتعليمهم ما سوف يواجهونه من تغيرات جسمانية إبان مراهقتهم، وكيف يتصرفون حيالها، ما هو التصرف الصحيح، كيف يغضُّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم. لا بد أن يكون هناك حوار داخل الأسرة، وأن يبيِّن الآباء والأمهات لأولادهم ما يحتاجون إلى معرفته. وسأضع ذلك مثالًا بقصة واقعية: والد يخبرني أن ابنته لما أمكن لها أن تدخل إلى الجامعة أخبرها أبوها وقال لها: يا ابنتي، أوتيتِ نصيبًا من الحسن، وستدخلين للدراسة الجامعية، وهناك اختلاط، وقد يتعرض لكِ بعض الشباب. فاستغربت البنت أولًا وقالت: لا، كيف يفعلون؟ ولن يفعلوا. فقال لها: اسمعي كلامي؛ قد تسمعين من بعضهم ثناء على جمالك، أو على ذكائك، أو على أخلاقك، أو على مظهرك، أو على شيء، ستسمعين مدحًا وثناء لمجرد الرغبة في التعرف. فقالت له: وماذا أصنع؟ قال: أمليهم رقم هاتفي، قولي له: سجِّل رقم الهاتف هذا. فلما تمليه لهم، قولي له: هذا رقم والدي، وتواصل معه إن شئت شيئًا، وائتِ البيت من بابه. يقول لي: لم يمضِ أسبوعان إلا وجاءته البنت وقالت له: قد حصل معي ما أخبرتني عنه. فقال لها: ماذا فعلتِ؟ قالت: أمليتُ الرقم، وكان مسرورًا حينما أمليتُه الرقم، ثم لما أخبرته أن هذا رقم والدي، وأنه إن كانت لك حاجة أو تريد أن تُثني عليَّ فاتصل بوالدي وسيحدِّد لك موعدًا، تغيَّر وجهه، وما تعرَّض لي، لا هو ولا من معه من الشباب الذين كانوا معه، وكُفيتُ شرَّه وشرَّ من كان مثله. إذن نحن بحاجة إلى تربية صحيحة يوقِف فيها الآباءُ أولادَهم على ما يمكن أن يواجهوه؛ يعني لا استحياء في الدين، فقد جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له: «بَرِحَ الخَفَاءُ يا رسولَ الله، المرأةُ ترى ما يرى الرجل، فهل عليها من غسل؟» فقال: «نعم، إذا رأت الماء». وكُنَّ يأتينه عليه الصلاة والسلام ويسألْنه عن بعض هذه الخصوصيات. نتحدث عن التوجيه والتعليم والتفقِيه والإرشاد؛ فلا يصح أن يترك الآباء والأمهات أولادَهم دون تعليم وتوجيه، فالواجب عليهم أن يبينوا لهم، وأن ينشئوا بينهم حوارًا، يعلِّموهم ويسمعون منهم، يبيِّنون لهم كيف يفعلون، وهذا كلُّه في سياق تعزيز الجانب الإيماني، وهذا يعني – تلخيصًا – تقوية الالتزام بما أمر الله تبارك وتعالى بالالتزام به، وأن نقف عند حدوده سبحانه وتعالى، وأن نتذكَّر المنقلب الذي نؤول إليه. مع هذا أيضًا هناك خطوات أخرى؛ فمنها أن على الأسرة أن تتخذ الإجراءات العملية الكفيلة بحجب هذه المواقع؛ فإن كانت لا تُحسن ذلك فلتستعن بالمتخصص في تقنية المعلومات. قد يصعب عليهم أن يحجبوا هذه المواقع في كلِّ جهاز على حِدة، لكنهم يستطيعون ذلك في الشبكة المنزلية، في الجهاز الذي يبث شبكة الواي فاي، ما يعرف بالراوتر، يتمكَّنون. أشهرها – أنا سأسميها ويمكن لهم أن يبحثوا عنها أو أن يستعينوا كما قلت بأهل الاختصاص – ما يعرف في تقنية الـ DNS، بأن يُدخَل اسمُ النطاق، يعني يُشفَّر اسم النطاق فيُحجَب، يتحوَّل إلى أرقام ثم بعد ذلك يُحجَب، وتحديدًا هذا المقصود هو ما يُعرَف بالستار العائلي أو الحاجب العائلي، يُسمَّى في تقنية المعلومات: Family Shield، فإذا بهذه التقنية يستطيعون حجب المواقع داخل الشبكة المنزلية عن كل الأجهزة التي تُستخدم داخل المنزل أو في المكان الذي تكون فيه تلك الشبكة. هناك برامج لذلك، وهي تقنيات سهلة، ويوجد شرح لها أيضًا، ولذلك تعمَّدتُ ذكر الاسم حتى يتمكَّن الآباء والأمهات أو الإخوة الذين هم أكثر نضجًا من التعرُّف على هذه الخطوات. مثلًا: بعض الشركات كشركة «نورتون» تقدم خدمة أيضًا تُسمَّى: Connect Safe – يعني: اتصل بأمان – الحاصل: المقصود هنا أن تُتَّخَذ خطوات عملية على مستوى الأسرة نفسها لحجب هذه المواقع. كذلك الحال أيضًا فيما يتعلق بالإرشاد والتوجيه للأطفال – وأنا أقصد الأطفال تحديدًا – لأن عالمنا الإسلامي يفتقر إلى منظومة أخلاقية ودليل إرشادي يبيِّن لمن كان دون سن البلوغ كيف يتعامل مع هذه الأجهزة الذكية؛ فهناك توسُّع كبير، لا سيما في البلاد العربية، تجد أطفالًا دون العاشرة وهم يملكون هذه الأجهزة بلا ضوابط ولا قيود، ما شاؤوا من الساعات، وما شاؤوا من الأوقات، وفي عالم قد لا يقصدون هم فيه أن يصلوا إلى هذه المواقع، لكن مشاهدة لمادة نافعة ثم بعد ذلك روابط لمواد أخرى، وهكذا يُستدرَجون حتى يجدوا أنفسهم في هذا المزلَق الخطير، إذًا لا بد من ضوابط من الأسرة؛ فإن كانت هناك من فسحة للأطفال فلتكن فسحة منضبطة بأوقات معلومة، وتحت إشراف من هم أكثر نضجًا منهم. والأولى أن يتشارك الآباء والأمهات أو الإخوة الكبار مع الصغار، بحيث تكون هذه الأجهزة في أماكن مفتوحة، أن تكون في الصالات العائلية، في الأماكن التي تلتقي فيها الأسرة. خطوة أخرى تتمثَّل في الإكثار من اللقاءات الأسرية؛ كثير من العائلات اليوم تشتكي أنها تحت سقف واحد لكنها لا تلتقي، كلٌّ في فلك يسبحون؛ هذا مع جهازه الكفِّي، وذلك مع الحاسوب المحمول، وآخر مع شبكة، وهكذا، فليس هناك أيُّ برنامج للقاء الأسري، أيا كان هذا اللقاء، الحاصل أن تجتمع هذه الأسرة ولو لأحاديث يُراد منها التسلية، أو النفع والفائدة، أو مناقشة أمر يهم الأسرة، فضلًا عمَّا هو أولى من ذلك وأفضل من أن تُصرَف هذه اللقاءات فيما هو نافع دينًا ودنيا. إذًا اللقاءات الأسرية لا بد منها، ولا يكفي فيها فقط أن تكون هكذا متروكة للظروف؛ لا بد من تخصيص أوقات للأسرة، للصغار والكبار، للذكور والإناث، وتُملأ هذه الأوقات بكثير من اللقاءات الأسرية وهم يعيشون تحت سقف واحد؛ لا بد من ذلك. هذه تقريبًا خلاصة الوسائل التي تُمكِّن الأسرة من تجنُّب أن يقع أفرادها في مهاوي الانغماس في المواقع الإباحية تصفُّحًا وزيارةً أو إدمانًا – لا قدر الله.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢١‏/١‏/٢٠١٨👁 4 مشاهدة
🎬

المواقع الإباحية الخطورة والعلاج 2 - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي HD

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

تحصين الأسرة من الإباحية

2 👁

كيف يمكن للأسرة أن تحصن نفسها وأبناءها من المواقع الإباحية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

حماية المتزوجين من الإباحية

5 👁

هل هناك خطوات عملية لحماية الزوج والزوجة المتزوجين من خطر المواقع الإباحية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

خطوات حماية الفرد

2 👁

ما الذي يمكن للفرد أن يقدمه لحماية نفسه ومجتمعه من الوقوع في المواقع الإباحية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

كيف يحمي الفرد نفسه؟

2 👁

ما الذي يمكن للفرد أن يقدمه لحماية نفسه ومجتمعه من الوقوع في المواقع الإباحية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٥‏/١‏/٢٠١٨

خطوات حماية المتزوجين

3 👁

هل هناك خطوات عملية لحماية الزوج والزوجة المتزوجين من خطر المواقع الإباحية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٥‏/١‏/٢٠١٨

دور المؤسسات في الحماية

2 👁

ما دور المؤسسات التربوية والصحية والتقنية والإعلامية في حماية الأبناء من مخاطر متابعة المواقع الإباحية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢١‏/١‏/٢٠١٨