⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم.
أما بعد، فإن انقضاء عامٍ وإقبال عامٍ هجري لا بد أن يكون سببًا دافعًا للمسلم لكي يعيد النظر في سابق أيامه؛ فإن تصرُّم الأعمار يدني المرء من أجله المحتوم، وفي هذا معتبر للعاقل؛ لأنه يدرك أنه بانقضاء الأعوام فإنما تسقط ورقة من شجرة حياته، وهي ورقة لا يمكن أن تعود. فهذا يدفعه إلى أن ينظر فيما قدَّم في سابق الأيام لكي يتأهَّب ويتهيَّأ لما يلاقيه في غدِه.
والله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]. فعلى المسلم دائمًا أن يحاسب نفسه، ومحاسبة النفس تعني أن يوفِّيها ما عليها وما لها من الحقوق لله تبارك وتعالى ولبني جنسه، فهذا معنى محاسبة النفس، فهي حساب. والله تبارك وتعالى يوم القيامة يجعل العبد محاسبًا لنفسه، يقول سبحانه وتعالى: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]، فينظر في سجل أعماله ليحاسب نفسه.
وهذه الخاتمة، هذه النتيجة التي سيلاقيها العبد يوم القيامة هي أعدل ما يمكن أن يكون؛ فهو يحاسب نفسه، ولذلك قبل أن يصل إلى تلك المحطة التي لا رجعة عنها، ولا يمكن أن يصحِّح فيها خطأ صدر منه، أو أن يتدارك فيها أمرًا فاته، أو أن يتزوَّد ما يمكن أن يشفع له، عليه أن يفعل ذلك حيث ينفع العمل، وهو في حياته الدنيا هذه.
فيعود على نفسه بالبحث عن عيوبها، والنظر في سيئاتها وفي وجوه تقصيرها، ثم يتوب إلى الله تبارك وتعالى توبة نصوحًا بتوفية هذه التوبة شروطها؛ لأن الله تبارك وتعالى أمرنا بذلك حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ﴾ [التحريم: 8]، فعليه أن يبادر إلى المتاب، وأن يستغفر الله تبارك وتعالى.
وما من أحدٍ منا إلا وهو يقع في الخطأ، حاشا الأنبياء والمرسلين لأنهم معصومون عليهم الصلاة والسلام، عليهم الصلاة والسلام. ولذلك نجد أن الله عز وجل حينما وصف عباده الأتقياء الذين وعدهم بجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض كان مما وصفهم به قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]، ووصفهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].
ومحاسبة النفس لا تعني مجرد كلمات يطلقها المرء، كما أنها لا تعني شعائر مخصوصة أو طقوسًا يمكن أن يتوهَّمها، وإنما هي انكسار قلب، ودمعة عين، وإنابة صادقة إلى الله تبارك وتعالى، وعزم على أن لا يعود هذا المرء إلى سابق عهده الذي أخطأ فيه أو أتى فيه شيئًا من السيئات، مع عهدٍ بينه وبين ربِّه تبارك وتعالى أن يصلح عمله.
فينظر في باطن أعماله وفي ظاهرها؛ نعم. أما الباطن فيُقصَد به المقاصد والنوايا التي استصحبها حينما أتى الأعمال التي قدَّم؛ فإن كان قد ابتغى بها غير وجه الله تبارك وتعالى أو أشرك فيها غيره، فعليه أن يتوب؛ فإن الله عز وجل غنيٌّ عن مثل هذا العمل، إن كان قد قصد بذلك الرياء، أو أن يمنَّ على غيره، أو قصد بذلك شهرةً أو سُمعة، فعليه أن يتدارك نفسه فيطهِّر نيته ومقاصده.
كما يفحص أيضًا ظاهر الأعمال؛ أي أن يكون قد وفّاها شروطها وأركانها، وأتى بها على الوجه الذي أمره ربُّه تبارك وتعالى به. وهذا ما نجده على لسان الأنبياء والمرسلين، فنجد سليمان عليه السلام كما وصفه القرآن الكريم: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].
فسليمان عليه السلام يبدأ بشكر الله تبارك وتعالى على نعمته، وهذا من محاسبة النفس؛ بحيث يكون العبد شاكرًا لمولاه جل وعلا على ما آتاه إيّاه، وما أنعم به عليه، فيؤدي حقوق هذه النعم التي أوتي إيّاها من ربه سبحانه وتعالى من علمٍ وصحةٍ ومالٍ وولدٍ وأمنٍ وطمأنينةٍ واستقرار، وغير ذلك من النعم التي أوتي إيّاها، مما لو قضى في شكر نعمةٍ واحدةٍ منها لما وفّاها حقها، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].
فسليمان عليه السلام يعلِّمنا مع ذلك أيضًا ألّا ينسى حقوق والديه عليه، ثم ينتقل مباشرةً إلى أن يسأل ربَّه أن يهديه إلى العمل الصالح، فقال: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾، ولم يقتصر؛ لأن العمل الصالح في ظاهره يمكن أن يشترك فيه الناس، وإنما أراد عملًا مخلصًا يُراد به وجه الله تبارك وتعالى، ولذلك قال: ﴿صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، ثم ختم بقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، وهو نبيٌّ مرسل، هو خير الناس في زمنه، ومع ذلك يقول: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
فينبغي للمسلم أن ينتهز أمثال هذه المناسبات ليعيد النظر في سجلِّ حياته، فيمن قضى له من عام، فيذكُر ويعتبِر، ويطوي صفحة هذا العام بتوبةٍ نصوحٍ وإنابةٍ إلى الله تبارك وتعالى، وإقبالٍ ورغبةٍ في فتح صفحةٍ جديدة يملؤها بالعمل الصالح، والخُلُق القويم، والإيمان الدافع الذي يدفعه إلى مزيدٍ من العمل والصلاح والخير والهدى.
نعم، وهذا كما يصدق على الفرد يصدق على المجتمع وعلى الأوطان. كيف؟ فإن المجتمع أيضًا عليه أن ينظر في علاقات أفراد بعضه ببعض؛ بصلاح الأفراد تصلح أحوال المجتمعات، أمَّا إذا اختلَّت العلاقات بين الأفراد فإن هذا المجتمع يعني أنه تسبَّب في ضعفه وفي زواله وتلاشيه.
ولذلك فإن على المسلمين في مجموعهم أن يتواصَوْا بالنصح، أن يتواصَوْا بالخير والصلاح، وأن يتبادلوا فيما بينهم التناصح، وأن يقيموا أود علاقاتهم على ما أراده لهم ربهم تبارك وتعالى حينما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وحينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ».
فيزيلوا ما بينهم من أسباب العداوات والتفرُّق والعصبيات، ويقيموا أود هذه العلاقة على الاعتصام بحبل الله تبارك وتعالى؛ لأنه أمرهم بذلك حينما قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، ونهاهم عن التنازع فقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. وهذا أيضًا يؤدي إلى قوة الأوطان، وإلى عزِّها، ومكانتها، وعلوِّ شأنها.
كما أن عليها أيضًا أن تعود –أي على أصحاب القرار، وعلى أولياء الأمور، وعلى ذوي المسؤوليات– أن يعودوا على ما يقدِّمونه، ما يؤدُّونه من أمانات، وما يمارسونه من مسؤوليات، بإعادة النظر، والفحص، وتلافي الأخطاء التي وقعوا فيها، ووجوه التقصير التي صدرت منهم، من أجل أن يتداركوا ذلك، فيسعوا إلى تدارُك ما يمكن أن يكون قد فاتهم في بناء أوطانهم، في تحقيق الأمن، والنمو، والتنمية، والسلام، والرخاء فيها، في إقامة أود الوطن على أسس راسخة من العدالة، والتراحم، وحسن الجوار، وغيرها من المبادئ والأسس؛ فإن مثل هذه المناسبات لا ينبغي أن تقتصر دروسها على الأفراد دون أن يكون لذلك أيضًا مُعتبَر وعِظة لذوي المسؤوليات وأصحاب الأمانات وأولياء الأمور في الأوطان.
نعم، بارك الله فيكم، محاسبة النفس –شيخ كهلان– لا تعني جلد الذات بمقدار ما تعني مراجعة النفس، وحثَّها على المبادرة إلى الخير، وشكرها إن أحسنتْ شكرَ الله عز وجل.
محاسبة النفس بهذا المعنى المتقدِّم ما كانت في يومٍ من الأيام جلدًا للذات، وينبغي للمسلم أيضًا أن ينتبه؛ لأنه إن كان مَن يمكن أن ينفث في روع المجتمع ولدى الأفراد أن محاسبة النفس إنما هي ظاهرة سلبية تعني الانكفاء على الذات، والبعد عن البناء والإصلاح، واليأس والقنوط، فإن هذه المفاهيم خاطئة، وهي غير مقبولة شرعًا.
محاسبة النفس تعني أن يجدِّد المرء صلته بالله تبارك وتعالى، وأن يقيمها على أسسٍ من حُسن العلاقة، ومن استشعار مراقبة الله تبارك وتعالى، ومن الرغبة فيما عنده، ومن البعد عن أسباب سخطه جل وعلا، وهذا هو معنى التقوى. ولذلك يتكرر –في سياق الأمر بالتوبة– الأمرُ بتقوى الله سبحانه وتعالى.
هذا هو المعنى الإيجابي لمحاسبة النفس كما تفعل اليوم كثير من المؤسسات والشركات حينما ترجع إلى سجلاتها، تنظر في إنجازاتها، وتنظر في إخفاقاتها، فتتلافى الأخطاء، تبحث عن العيوب، تبحث عن أسباب الخسائر؛ فكما يصدق هذا على المؤسسات والشركات فإنه ينطلق أساسًا من صدقه على الأفراد، وهو أيضًا لا يقف عند حدود المؤسسات والشركات ومختلف القطاعات، وإنما يمتد ليشمل إدارة الأوطان.
نعم، ولعل الحدث نفسه، هذا –يعني أن يرتبط تاريخ العام الهجري بحادثة الهجرة– دليل على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخطيطٍ وتهيئةٍ واستعداد، ثم من تنفيذٍ دقيق، ثم من بناءٍ لمرحلةٍ جديدة؛ فلذلك ناسب أن يكون الحديث بدايةً عن محاسبة النفس؛ لأنها ترتبط أيضًا بحدثٍ فيه الكثير من الدروس والعِظات المتصلة بهذا المعنى.
نعم.