⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الأصل في التعليم – ونقصد به العملية التعليمية بين الطالب وبين المعلِّم والمتعلِّم في المؤسسة التي يكون فيها أيا كانت – الأصل في ذلك العدالة، ولذلك ينص الفقهاء على حقوق المتعلمين على معلِّمهم، وأن عليه أن يبسط العدالة بينهم في التعليم نفسه، أي فيما يبثه إليهم وينشره بينهم من علم نافع مفيد، فلا يُؤثِر بعضهم على بعض، وإلا كان مؤاخذًا ديانة بينه وبين الله تبارك وتعالى؛ إن أراد أن يؤثر بعضهم على بعض فإنه مؤاخذ، إن أراد أن يُحابي بعضهم على بعض فإنه مؤاخذ.
هذا لا يعني ألا يراعي الفروق بينهم؛ فالمُحسن المجيد يُكافَأ – أيًّا كان هذا المحسن المجيد – فمكافأته إنما بسبب إتقانه واجتهاده وجِدِّه، لا بسبب علاقة نَسَب أو سبب أو غير ذلك، وإنما بسبب إتقانه، بسبب جِدِّه واجتهاده في التعلُّم، كما أن المسيء المقصِّر يمكن أن يُعاتب أو يُعاقَب بالضوابط الشرعية التي تحدثنا عنها سابقًا، لكن ليس له أن يحيف على بعضهم لعداوة بينه وبين ذويهم – على سبيل المثال – أو بينه وإياهم إن كان في دراسة جامعية وما بعد الجامعية؛ فيجور عليهم ويحيف، هذا ليس من العدالة في شيء، وهو مؤاخذ بينه وبين ربه تبارك وتعالى على هذا التقصير.
ثم إن من واجب المتعلِّم أيضًا – إن كان يريد أن يستوفي حقه من معلِّمه – أن يؤدي إليه حقوقه؛ فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 1-6].
فعلى المتعلِّم أيضًا أن يؤدي إلى المعلِّم حقَّه من التوقير والاحترام، وأداء ما يوجهه إليه وما يطلبه منه، وألا يحيف عليه لسبب لا علاقة له بالتعلُّم وما يتصل بما هما فيه؛ فلا يصح أن يطالب المتعلِّمُ معلِّمَه أن يشرح له، لكنه في المقابل يهمل دروسه.
هذا من حيث العلاقة بينهما، الآن نحن انتقلنا أو جمعنا بين أمرين اثنين: الحقوق والمعاملة، وهذا من المزايا التي يكاد يختص بها هذا المبدأ في الإسلام؛ إنه لا يقتصر على الحقوق بل يمتد ليشمل جوانب المعاملة.
إذًا: الأصل في العلاقة بين المعلِّم والمتعلِّم أن تكون مبنية على العدالة، ولما شددت هذه الشريعة – أو لما ركز الفقهاء في هذه الجوانب – لأنه يُراد أن تُربَّى هذه الأنفس على التعود على العدالة تحمُّلاً وأداءً، أخذًا وتوفيةً للغير، يُراد لها أن تكون كذلك، فإن لم نجد العدالة في حِلَق التعلُّم، فهذا يعني أن هناك خللًا كبيرًا؛ لأن هؤلاء المتعلمين هم الذين سيتولَّون غدًا، سيكونون رعاة لمسؤوليات.
أقل هذه المسؤوليات – لا من حيث الأهمية، وإنما من حيث إنها قد تكون مجردة ولا يُضاف إليها عبء آخر، وهذا نادر – الأبوة والأمومة؛ فإن لم ينشأ المتعلِّم على العدالة لنفسه ولغيره، فإنه يمكن أن يُفرِّط في هذا المبدأ حينما يكون زوجًا – رجلًا أو امرأة – وحينما يكون والدًا – أبًا أو أمًّا.
فإذا أضفنا إليها مسؤوليات أخرى، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته»، كان تُسند إليه مسؤولية، كان يكون صاحب منصب يقدم خدمات للناس، يشرف على مجموعة من الموظفين أو العمال؛ فكيف نتوقع منه أن يكون عادلاً مُقسِطًا إليهم إن لم يجد ذلك في قاعات التعلُّم والتربية؟
فأهمية الموضوع ليست من نافلة القول، بل هي من جوهر هذا الدين ومن جوهر صياغة شخصية المسلم، وبنائه بناءً قويمًا ليستطيع عمارة هذه الأرض، كما يستطيع أن يؤدي حقوق الله تبارك وتعالى عليه.
الفقهاء يذكرون لطائف فيما يتعلق بمعاملة المتعلمين، حتى في انبساطه – أي انبساط المعلِّم – الوجه؛ لأنهم لاحظوا أن ذلك يمكن أن يُورِث النفوس – إن لم تكن المعاملة عادلة – يمكن أن يورث نفوس المتعلمين شيئًا من الأَحَن والعداوات فيما بينهم، ولذلك تجد أنهم في فقه التعلُّم والتعليم يذكرون أمثال هذه اللطائف: في توزيع النظرات، في المشاركة في الحديث، في توزيع الأسئلة، في الحث والتشجيع، إن كانت هناك مكافأة، فلا يصح أن يُخصَّ بها البعض إلا من استحق المكافأة؛ فهذه اللطائف لا يصح أن تغيب من حِلَق التعلُّم.
لكن دوائر التعلُّم – في المقابل – أيضًا يذكرون لطائف في كيفية توفية المتعلمين لحقوق معلِّمهم، تجد فيها صورًا رائعة من التوقير والاحترام، حتى إنهم يذكرون من الآداب والفضائل لحقوق المعلِّم ما يزيد – أو يكاد يزيد – على حقوق الوالدين أو أحدهما؛ من النظر إلى المعلِّم، كيف يكون النظر إليه؟ كيف يُخاطَب؟ بحيث لا يرفع صوته، لا يحدُّ النظرَ إليه، لا يُحدِّثه وهو قاعد – أي يملي من اللطائف – المقصود منها أن تكون هذه العلاقة مبنية ليست على العدالة فقط، وإنما على الإحسان.
إذا عملنا هذا في مؤسسة التعليم فسنجد أن هذا صادق تمامًا، إلا أن ما يتعلق بالمناهج والامتحانات ينبغي أيضًا أن تُراعى فيها أسس العدالة والإحسان؛ لأن المقصود هو التعليم، تنشئة هذه العقول، صياغة هذه النفوس أن تتهيأ بعد ذلك لبناء أوطانها.
فهذا لا يعني بحال من الأحوال أن يكون الأصل هو إثقال كاهل المتعلمين، أو أن يكون الأصل في ذلك أن يُحمَّلوا الأعباء؛ لأن المقصود هو أن يُفشِل دراستهم، لا، لا بد أن تنتبه أيضًا هذه الجهات إلى مثل هذه المبادئ.
والأصل في المناهج – مع ما يُراد لها من أن تكون محكمة متقنة، قادرة على التأهيل الذي يواكب ما بلغته الإنسانية اليوم – لكن أيضًا لا بد من الأخذ – وهذا من العدالة – لا بد من أخذ ظروف الزمان والمكان في الحسبان، وهذا يصدق أيضًا في مختلف دوائر العمل، ونحن هنا نؤسس كيف التفت الفقه الإسلامي لبسط مبدأ العدالة في مختلف وجوه الحياة ومناحيها.