⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
حينما يتحدث العلماء عن العدل في حقوق الوطن على النفس فإنهم يذكرون لطيفةً خلاصتُها أنه لا يسوغ لأحد أن يتنازل عن شيءٍ من حقوق الوطن؛ لا يسوغ له أن يتنقَّص شبراً من أرضه، ولا أن يسلِّم رَقَبةً من أهله – أي من أهل هذا الوطن – ولا أن يكون سبباً لذلك لمصلحةٍ خاصةٍ يراها؛ لأنه لا يملك هذا الحق أصلاً.
فالعدالة هنا تُلزِمه أن يكون حريصاً على حفظ حَوْزَة الوطن، وحفظ حقوق أهله بكل ما يستطيع من وسائل وأسباب، وهو – بحسب ما يذكر الفقهاء – ليس مُخَوَّلاً للتنازل عن حقوق الوطن أو أن يسلِّم رقبةً من رِقاب أهل الوطن؛ ليس عنده هذا الحق؛ لأن حق الوطن يتعلق به حق الأمة الحاضرة ومن يأتي من الأجيال اللاحقة.
ذلك فإن الواجب حينئذٍ أن يحمي حَوْزَة الوطن وأن يحفظ حقوق الوطن بكل الوسائل؛ هذا يستدعي تربيةً صحيحة تجعل الحقوق العامة مقدَّمةً على الحقوق الخاصة، وتجعل المصلحة العامة – لأن حقوق الوطن من المصالح الكبرى – فوق المصالح الشخصية؛ فإذا فرَّط المرء في هذه المصالح العليا من أجل مصالحه الشخصية فإن الضرر سيقع عليه وعلى ذريته وعلى أجيال أبناء هذا الوطن من بعده، شَعَر هو بذلك أم لم يشعر.
كما أن معنى العدالة هنا يرتبط بالولايات العامة – أو ما يُعرَف اليوم بالمناصب والمسؤوليات التي تتعلق بعموم حقوق الوطن وأهل الوطن – بألاَّ يُتاجِر بمشاريع الوطن، ولا يُسرِّب أسرار الدولة، ولا يخون الأمانة التي حُمِّل إياها.
ويُبَيِّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عِظَم هذه الأمانة في قوله لأبي ذرٍّ رضي الله عنه لما قال: ألا تستعملني يا رسول الله؟ فقال له عليه الصلاة والسلام: «لا يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خِزْيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها»؛ فليست الولايات العامة مبنيةً على القرابة أو المؤهلات الشخصية فحسب، بل هي أمانة تُسْنَد إلى أهلها بشرط أدائهم لمسؤولياتهم وحقوقِ الناس فيها.
ولذلك نجد الإغلاظ الشديد في كتاب الله عز وجل على من يخون هذه الأمانة، سواء كان ذلك في حالة السِّلم أو في حالة الحرب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]؛ فهذه من صور العدالة في حق الوطن.