مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

لماذا بناء المجتمع بالقرآن

لماذا نتحدث عن بناء المجتمعات من خلال القرآن الكريم مع وجود مجتمعات غير مسلمة متقدمة ورفاهية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أحسنتم، هذه قضية مهمة، وينبغي لنا أن نتقن فهمها؛ لأن عليها تُبنى كثير من القضايا والآثار. هذه المجتمعات اختارت أيسر الوسائل وأعجلها في بناء مجتمعاتها، وهو – أي هذه الوسائل، أي أيسر هذه الوسائل وأعجلها – مؤاخذة المخطئ بالعقوبة، وإتاحة الفرصة للمجتهد العامل، لا أقول مكافأة المجتهد العامل الجاد، وإنما نقول: إتاحة الفرصة، تلك مرحلة أخرى أيضًا قد توجد في بعض المجتمعات. ما الفرق بينهما؟ أولًا: مؤاخذة المخطئ بالعقوبة أمر واضح، فيقصدون كف أذى الغير بردعه بغلظة القانون، وأما غيره ممن لم يخالف القانون فإن الأصل فيه أنه إن أحسن أن يُكافأ، وإن اجتهد وجدّ وأبدع فإن يجد التكريم، لكن هذا لا يحصل في كثير من هذه المجتمعات؛ فكثير من المجدّين المجتهدين منسيّون في زوايا هذه المجتمعات، وقد يكونون مهملين أيضًا ما لم يوجد سبب خارجي يدعو إلى مكافأته. فحسب هذه المجتمعات أن نقول: إنها تتيح الفرص للجادين لكي يحظوا بلقمة العيش. والحقيقة أن هذا قد يبدو كافيًا لكثير من الناس، لكن هذا المستوى إنما هو المستوى البدائي، هو أقل المستويات على الإطلاق. وبيان ذلك أن هذا يجعل من الإنسان مجردًا من كرامته الإنسانية؛ لأنه إنما يتحرك في هذه الحياة بالخوف والطمع؛ فيرتدع عن المخالفة خوفًا من العقوبة، ويسعى إلى الثواب والمكافأة، ويسعى إلى الالتزام طمعًا في الثواب والمكافأة، فيكون هذا الإنسان – أو يغدو – آليًّا أو شبه آلي، ولذلك قلت: بأن هذا المستوى هو المستوى البدائي. ولا يعني هذا الغضَّ من أهمية العقوبة والمكافأة، أو أن يُؤطَر الناس بتشريع ونظام يُكافَأ فيه المحسن، ويُؤاخذ فيه المسيء؛ فكل الأنظمة والتشريعات السماوية والدنيوية تتفق على هذا المقدار، لكن الأصل أن يكون هذا هو الاستثناء، وليس هو القاعدة الأصلية. وهنا يختلف المنهج القرآني وما جاء به هذا الدين الحنيف؛ فهو لا يقف عند هذا الحد الأدنى، وإنما يترقى بهذا الإنسان بما يحقق له الكرامة الإنسانية، ويلتفت فيه إلى ملكاته الفكرية والعقلية والروحية والدينية والخلقية والاجتماعية والفردية في نظام متكامل، كما أنه يوفر الكثير من الموارد المالية والذهنية والبشرية – على خلاف ذلك المستوى البدائي – لأنه مهما كانت هذه السلطة متغوِّلة في المجتمع فإنه لا يمكن لها أن تظل مراقِبة لفعل الناس في خلواتهم وفي جمعهم، في أنفسهم وفي أسرهم وفي معاشهم، لا يتأتى لها ذلك إلا بكثير من الموارد المالية والبشرية والذهنية، واليوم أيضًا دخل في ذلك الجانب التقني. وهذا ما وفرته لنا هذه الشريعة الغرّاء الحنيفية السمحة؛ إذ قطعت لنا هذه المسافات، واختصرت لنا هذه الجهود بنظام تتكامل فيه متطلبات هذا الإنسان في سبيل بناء مجتمع راشد. ولا أقول هذا الكلام من عندي، فإن ربنا تبارك وتعالى – ولو اختصارًا؛ لأن هذه القضية تجيب عن كثير من الأسئلة – فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]. فأيّةٌ أرشدت إلى أن هناك محددات لأداء المخاطَبين في هذه الحياة: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ فهناك السلطة الدينية المتمثلة في مراقبة الله تبارك وتعالى الذي بيده الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة، ثم هناك السلطة الدنيوية القائمة المتمثلة في لفظ الرسول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾؛ فالخطاب فيه إلى الجماعة المؤمنة بمراقبة هذه السلطة الحاكمة، بما تمثله أيضًا من أجهزة إدارية ورقابية وضبطية وقضائية إلى آخرها. ثم الرقابة الذاتية المنصوص عليها بقوله جل وعلا: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾؛ فهناك واعز ذاتي لدى الأفراد أنفسهم يجعلهم مراقبين لأماناتهم ومسؤولياتهم، كما أن الآية نفسها أيضًا تشير إلى الرقابة الجماعية؛ لأن الخطاب فيها جاء بصيغة الجمع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهنا قال: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ بصيغة الجمع أيضًا. وأوضح من هذه آية التوبة في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. مرّة أخرى يتكرر أن بناء هذه المجتمعات إنما يقوم على تكوين أفراد صالحين مؤدّين لأماناتهم، مراقِبين لربهم جل وعلا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ فهم عاملون؛ فالذي يصدّق الشعارات والدعاوى إنما هو العمل، وما الذي يبعثهم إلى العمل؟ ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ إن شئنا تجاوزًا أن نقول: الجانب الديني الروحي، ولا يُقصَد بذلك فقط مجرد الثواب والعقاب في الآخرة، وإنما تمثّل مراقبة الله تبارك وتعالى للفرد في هذه الحياة – أي الرقابة الذاتية التي يستشعرها هذا المؤمن – ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ مرّة أخرى: السلطة الحاكمة بكل أجهزتها كما تقدّم، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؛ فالمؤمنون هنا – ومنهم هذا الفرد – يمثّلون سلطة الجماعة، رقابة المجتمع له وعليه؛ فله هو رقابةٌ من المجتمع تثبت له صدق أدائه لأماناته ومسؤولياته، وعليه أن يؤدي للمجتمع حق الرقابة أيضًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لهذا المجتمع والتواصي بالحق؛ فلا يقتصر الأمر على أن يتذكر أن عليه رقابة مسلطة عليه من المجتمع، وإنما هو ذاته أيضًا له هذا الحق على مجتمعه وعلى الجماعة فيه. ويأتي مرّة أخرى هذا التأكيد في نهاية هذه الآية الكريمة من سورة التوبة: ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ مرّة أخرى نجد الباعث الديني الخلقي الروحي حاضرًا في مخاطبة الجماعة المؤمنة. إذا بهذا يختلف المنهج القرآني عن غيره من الأنظمة الوضعية أو التشريعات أو المناهج؛ ولهذا نجد أن الناس قد انقسموا: منهم من يغلب سلطة الفرد، ومنهم من يغلب سلطة الجماعة، ومنهم من يعزل هذا الفرد إلى المناحي الروحية، ومنهم من يجرّده من كل معاني الخُلُق والضمير والروح فلا يُنظر إليه إلا بالمنظور المادي، بينما يأتي هذا الدين لكي يحقق هذا الامتزاج المتكامل الذي يلبي مطالب الفرد والجماعة لبناء هذا المجتمع المنشود، والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

#سؤال_أهل_الذكر | منهج القرآن في بناء المجتمعات | الأحد 29 سبتمبر 2019م

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

لماذا منهج القرآن؟

2 👁

لماذا نتحدث عن بناء المجتمعات من خلال القرآن الكريم مع وجود مجتمعات غير مسلمة متقدمة ومرفهة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/٩‏/٢٠١٩

معنى بناء المجتمع

2 👁

ما المقصود بمصطلح بناء المجتمع عندما نتحدث عنه في سياق القرآن والبرنامج؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

دور الفرد والمجتمع

2 👁

كيف يعرض القرآن دور الفرد في بناء المجتمع، وكيف يلتفت المجتمع إلى هذا الفرد في منهج الإصلاح؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

تقييم روابط غير المسلمين

2 👁

كيف ينظر المسلمون إلى الروابط الاجتماعية التي قامت بين شعوب غير مسلمة على أسس بشرية مع انقطاع صلتها بالشريعة والإسلام؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/٧‏/٢٠١٤

معنى بناء المجتمع

2 👁

ما المقصود بمصطلح بناء المجتمع عندما نتحدث عنه في سياق القرآن والحديث عن المجتمعات؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/٩‏/٢٠١٩

منهج القرآن في البناء

3 👁

ما منهج القرآن في بناء المجتمعات؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠