⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا لنُقِرَّ أن منهج القرآن – عمومًا – في مختلف القضايا التي يتناولها، والموضوعات التي يثيرها، والمرامي والمقاصد التي يتطلع إلى تحقيقها أو يتشوّف إلى إرسائها وتحقيقها في واقع حياة الناس، منهجٌ واضح، سهل، بعيد عن التعقيد، عملي، متكامل، تجتمع فيه كل المكوّنات والعناصر؛ فلسنا بحاجة إلى تعقيدات وفلسفات، أو إلى أن نظن أنه لا بد لنا من منهج مليء بالخطوات النظرية والعملية والتطبيق، وبعد ذلك الرقابي وإلى آخره؛ نجد أن القرآن الكريم يعرض هذه المناهج بأسلوب واضح سهل، لو أُخِذَ به لَعَمَّ الناسَ الخيرُ، ولوصلوا إلى ما يريدون.
فأجِلْ في سورة الماعون – على سبيل المثال – منهجًا متكاملًا لبناء المجتمعات بأيسر عبارة وأوضح أسلوب؛ في سورة الماعون، في قول الله تبارك وتعالى – وهي سورة مكيّة عند جماهير أهل العلم، لم يشذّ بالقول إنها مدنية أو أن نصفها مكيّ ونصفها مدنيّ إلا بعض العلماء الذين نُسِب إليهم هذا القول، وإلا فهي سورة مكيّة على الصحيح، وهي من أوائل ما نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم – وهذا فيه ملحظ، فإن المخاطَبين بهذه السورة كانوا لا يزالون جماعة مضطهدة في مجتمع قريش، وهذا يعني أن السورة تريد – كما أنها تُحذِّر الذين أعرضوا عن قبول هداية القرآن وتكشف ما كانوا عليه – هي في ذات الوقت تهيّئ المسلمين وتعدّهم إلى الأدوار المناطة بهم حينما يصبحون مجتمعًا.
ولذلك لم يجد المسلمون ما يمنعهم من بناء مجتمعٍ رصينٍ متماسك في أقصر وقت وأوجز مرحلة حينما هاجروا إلى المدينة المنورة؛ لأن الإعداد كان قد تقدّم.
سورة الماعون: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون].
تشتمل إجمالًا وباختصار شديد على عناصر أربعة تحقق تأسيس المجتمعات على أسس متينة تُورِثُها التماسك والعزة والقوة والنصرة.
أمّا العنصر الأول فهو هذا الارتباط بين الإيمان بالله تبارك وتعالى والإحسان إلى الناس؛ فتوثيق الصلة بالله عز وجل مع إحسان الصلة بالناس هو العنصر الأول، وهو واضح في السورة الكريمة، نذكرها إجمالًا أولًا، سنأتي للتفصيل إن شاء الله.
أمّا العنصر الثاني فهو قائم على إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع؛ فهناك توازن وميزان عدل قويم بين صلاح الفرد – أو إصلاح الفرد – وإصلاح المجتمع.
والعنصر الثالث يقوم في هذه السورة الكريمة – ويتكرر كثيرًا في كتاب الله عز وجل – على العناية بالظاهر والباطن؛ مرّة أخرى هناك ميزان عدل قاصد للعناية بالظاهر والعناية بالباطن.
وأمّا العنصر الأخير فهو قائم على الاهتمام بالقليل والكثير مما فيه صلاح المجتمع.
بهذه العناصر الأربعة يتأتّى أن يُبنى مجتمع – يعني يمكن أن نقول – أقرب إلى المثالية المنشودة، لا نقول مثالية نظرية، وإنما المثالية التي يحتاج إليها الناس في واقع حياتهم، التي يُعرَف فيها أفراد هذا المجتمع الذي لهم فيُطالِبون به، والذي عليهم فيؤدّونه، وتُبنى علاقاتهم على التماسك والتعاطف والتراحم، ويُؤسَّس هذا المجتمع على العلم والإحسان إلى الناس وتوثيق الصلة بالله تبارك وتعالى، ويُسعى فيه إلى الأخذ بكل الأسباب الداعية إلى كريم العيش وإلى الرفاه المنشود، وإلى مزيد من المصالح والمنافع له ولغيره من بني البشر.