⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لنبدأ بما يتوارد إلى أذهان الناس؛ فإن كثيرًا من الناس يظن أن الإيمان إنما ينحصر في الصلة بالله تبارك وتعالى، لكن هذه السورة تأتي لتبيِّن – من الآية الأولى فيها – أن صدق الإيمان إنما هو ذلك الذي يظهر أثرُه في العلاقة بالناس؛ لذلك قالت: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، فتبدأ بالتشويق إلى بيان أوصاف أولئك الذين يكذِّبون بالدين، فلما بيَّنت صفاتهم قالت – أي قالت السورة الكريمة –: ﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾.
هذه الخلال المذكورة أغلبها يرجع إلى الصلة بالناس: هل هي صلة إحسانٍ وبرٍّ وخيرٍ وصِلة، أو أنها على خلاف ذلك؛ هي صلة قطيعةٍ وظلمٍ وقهرٍ ودفعٍ لليتيم، ومنعٍ للماعون، وعدم حثٍّ على الخير ولو في أبسط صوره.
جُعِلَت هذه الخلال من صور التكذيب بالله تبارك وتعالى، ومن صور التكذيب بالإيمان باليوم الآخر؛ فدلَّت هذه السورة الكريمة – في عنصرها الأول – على أنه لا انفصام بين الإيمان بالله عز وجل حقَّ الإيمان وبين ظهور أثر ذلك علاقةً حسنةً وإحسانًا وبِرًّا ومعروفًا إلى الناس جميعًا؛ فمن كان مؤمنًا بالله عز وجل فعليه أن يترجم ذلك في أعماله وأخلاقه، ومن كان أيضًا يدَّعي أنه مُحسِنٌ إلى الآخرين، وأنه وصولٌ لهم، وأنه نافعٌ لمجتمعه ووطنه، فإن عليه ألا يخون أمانته مع الله تبارك وتعالى، وعليه أن يكون حسنَ التديُّن لله عز وجل.
هذا هو الامتزاج بين صادق الإيمان وبين نفع الناس في المجتمع، الذي عبَّرت عنه الآية الكريمة بالتكذيب في حقِّ الإيمان بالله عز وجل، بالتكذيب بيوم الدين، التكذيب بيوم الجزاء، وجعلت صور هذا التكذيب أنواعًا من أبسط أعمال البر والخير إلى الآخرين: ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، وهناك خَلَّة: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾.
تأتي هذه السورة الكريمة لتلفت أنظار المخاطَبين إلى أن حقيقة الإيمان – الذي يُلامِس شغاف القلوب – إنما هو ذلك الذي يظهر أثرُه خُلُقًا حسنًا ومعاملة حسنةً، وسعيًا إلى إسعاف الآخرين وإعانتهم والالتفات إلى مطالبهم.
وهذا في المرحلة المكيَّة، لننظر نحن اليوم في واقعنا؛ ستجد أن هناك نُشُوزًا: فهناك مَن يظن نفسه متديِّنًا ممن لا يُحسِن إلى الآخرين، وهناك مَن يرى نفسه أنه صانع معروفٍ للآخرين ممن لا يُقيم لله تبارك وتعالى وزنًا، ولا يُلقي للآخرة بالًا؛ فيأتي القرآن الكريم ليُصوغ هذه الجماعة المؤمنة صياغةً إيمانيةً جديدة، ويبيِّن ويؤكِّد على أن الأمرَين لا ينفصلان؛ لا بد من اكتمال هذين العنصرين.
ولذلك قلت: إنه صدقُ إيمانٍ بالله عز وجل متبوعٌ بإحسان المعاملة للآخرين ولو في أبسط صورها.
والله تعالى أعلم.