مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

العناية بالقليل والكثير

ما المقصود بالعناية بالقليل والكثير كركن في بناء المجتمعات، وكيف يبينه قوله تعالى: ويمنعون الماعون؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
مرة أخرى، هذا العنصر يمثل ركنا جوهريا في بناء مجتمعات راشدة متماسكة؛ أما أخذه من سورة الماعون ومن غيرها من آيات الكتاب العزيز وسوره فهو ظاهر جلي؛ فإن النماذج التي ذكرها القرآن الكريم في سورة الماعون تكذيبٌ بالدين قد تبدو لأول وهلة مما يُزَهِّد فيه الناس؛ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ • وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، ثم قال في آخر السورة: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، والماعون هو أقل ما يُنتفَع به مما لا تُظَنُّ به النفوس، لا تشحُّ به النفوس، من الملح أو الآنية أو الماء أو النار بين الجيران أنفسهم. فقد يظن ظانٌّ بأن هذه يقرها العرف، ولا يتصور أن يصل المجتمع إلى الشح بها، لكن القرآن الكريم يلفت النظر إلى أهميتها رغم نظر الناس إليها على أنها مما يزهد فيه أو مما لا يُلتفت إليه؛ ولذلك فإن العناية بغيرها مما هو –في نظر الناس– أعظم، إنما هو من باب الأولى، لكن القرآن الكريم يذكِّر في هذه السورة الكريمة بأهمية العناية بما يبدو أنه قليل للناس؛ لأن منشأ الإحسان إلى الآخرين والبر والصلة، وإقامة أَوَدِ التعاون والتعاطف والتراحم بين الناس، وإزالة الضغائن والأحقاد بين أفراد المجتمع، وسعيهم إلى مزيد من التماسك والألفة والمحبة، إنما يكون بالالتفات إلى مثل هذه الصنائع من المعروف التي تبدو للناس يسيرة؛ ولذلك يركِّز عليها القرآن الكريم ولو بكلمة طيبة، ولو بمسحة حانية على رأس يتيم، أو بما يزهد فيه الناس من أمر الماعون. مرة أخرى، لا يقف الأمر عند حدود مألُوف الناس من هذه الأعمال؛ كم تقاطعت نفوس، ونشبت أحقاد وضغائن، بسبب نظرة استهزاء وسخرية، أو بسبب كلمة نابية، أو بسبب شحٍّ مُطاع، وهوىً مُتَّبَع في التعامل مع الغير، وفي المقابل كم كنا سنصل إلى عواقب خير إن لو اعتنينا بهذه الأعمال اليسيرة. بمفهوم الفساد المعاصر اليوم، يرون أن الفساد فيما قلَّ من أموال أخفى، لكنه أعظم خطرا على المجتمعات؛ بعض المصارف العالمية كيف كانت تأخذ الفلوس، فقط يعني الفلوس، القروش اليسيرة هذه، القروش اليسيرة في حساباتها، وإذا بهؤلاء المفسدين يكونون ملايين الدولارات في فترة قصيرة –نتحدث عن مصارف عالمية يتعامل معها مئات الألوف من البشر يوميا– فهذا أخفى في التتبُّع، يصعب إثباته والتدقيق عليه، ولذلك هو أعظم خطرا، وهنا سنجد عظمة القرآن الكريم حينما قال: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. نحن في واقعنا أيضا… لأن السورة المقابلة هي سورة الذي يصدق حقيقة بالدين؛ في سورة الماعون إذا الصورة المقابلة هي صورة الذي يصدق بالدين، فالذي يصدق بالدين من صفاتهم أنهم يجودون بالماعون؛ إذًا هم لا يحقرون من الصدقة شيئا، لا يحقرون من صنائع المعروف شيئا، وهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته للنساء: «لا تَحْقِرَنَّ أَحَدُكُنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ فَرْسَنَ شَاةٍ». وفي حديث آخر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ»، «إِمَاطَتُكَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ»، «تُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَرْفَعَ لَهُ مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ». هذه الوجوه… إماطة الأذى عن الطريق؛ لو أن كل أسرة –كما تنظف بيتها– تنظف فناءَها، تنظف الطريق أمامها، كم من الملايين كنا سنوفر بهذا الفعل الذي يزهد فيه الناس. بالصدقات التي تجتمع عليها الأيادي البيضاء –ولو قلَّت– كم كنا سنجمع للوطن وعمارته وسَدِّ حاجة الفقراء والمساكين، ولا نتحدث هنا عن الفرائض الواجبة علينا، وعن الحقوق المعلومة في كتاب الله عز وجل، وإنما نتحقق أيضا ما يسميه القرآن بالحق غير المعلوم؛ أي ما تجود به الأنفس، ويلتفت إليه ذوُو القلوب المُرهَفة الموصولة بالله تبارك وتعالى من تلمُّس حاجات المجتمع وإن قلَّت. ليس أثره نفسيا فقط لنزع السخائم والأحقاد، وإنما له أثر مادي في إصلاح المجتمع وتماسكه وعمارتِه، وهو الوسيلة إلى العناية بما عظُم من مشاريع؛ لأن بعض الناس يؤمِّل نفسه أنه لا يمكن له –بما أُوتي من علم وتخطيط– إلا أن يخطط لما هو عظيم، وأن ينظر لما هو كبير، ويخفى عليه أن يلتفت إلى هذه القضايا التي هي أَوَدُ المجتمع وقوامه؛ ولذلك يعيش في خطط نظرية لا علاقة لها بالواقع. مرة أخرى –حتى أكون أكثر تحديدا– لنأخذ في عالم الاقتصاد: هناك اقتصاديات –كما يقال– متنوِّعة، قائمة على تنويع الاقتصاد، وهناك اقتصاديات ريعية؛ الآن حتى فيما يتعلق بالاقتصاديات الريعية أكثر ما يلتفتون إليه –وما يعرفونه بالقيمة المضافة– بمعنى أن المشتقات والصناعات القائمة على أصل المنتج، لا على المنتج نفسه، المنتجات المصاحبة لأصل الإنتاج، وأن التعويل عليها أكثر؛ هذا هو الذي نتحدث عنه: إن العناية بالقليل تورث العناية بالكثير، إن التخطيط للقليل هو الذي يأخذنا إلى التخطيط للكبير، ينقلنا إلى التخطيط لما هو كبير، إن تخطيطنا للعام هو الذي يمكن –التخطيط السليم مع التنفيذ الأمين– هو الذي يمكن أن يدفع بنا أيضا إلى مثل ذلك لخمسة أعوام أو لعشرة أعوام أو لما هو أكثر من ذلك؛ هذا هو الذي تضعه لنا هذه السورة الكريمة. والله أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٦‏/١٠‏/٢٠١٩👁 2 مشاهدة
🎬

منهج #القرآن في بناء المجتمعات 2 - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي HD

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

العناية بالقليل والكثير في بناء المجتمعات

2 👁

تحدثتم عن ثلاثة محاور نظرية في بناء المجتمعات في القرآن الكريم، والمحور الأخير أشرتم إليه بالعناية بالقليل والكثير. مرة أخرى هذا العنصر يمثل ركنا جوهريا في بناء مجتمعات راشدة متماسكة. كيف يبين القرآن هذا الأصل من خلال سورة الماعون وغيرها، وما أثر العناية بما يبدو قليلا في نظر الناس على بناء المجتمع؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

معنى إصلاح الظاهر والباطن

2 👁

ما معنى العناية بالظاهر والباطن كأحد أسس بناء المجتمعات كما ورد في سورة الماعون؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

معنى إصلاح الظاهر والباطن

2 👁

ما معنى إصلاح الظاهر والباطن كأحد أسس بناء المجتمعات، وكيف دلت عليه سورة الماعون؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦‏/١٠‏/٢٠١٩

صلة الله والعباد

2 👁

كيف تكون الصلة بالله تعالى المرتبطة بالصلة بالعباد أداة لبناء المجتمع كما عرضتها سورة الماعون؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

صلة الله والعباد

3 👁

كيف تكون الصلة بالله تعالى المرتبطة بالصلة بالعباد أداة لبناء المجتمع كما عرضتها سورة الماعون؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/٩‏/٢٠١٩

منهج القرآن في البناء

3 👁

ما منهج القرآن في بناء المجتمعات؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠