مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

معنى إصلاح الظاهر والباطن

ما معنى العناية بالظاهر والباطن كأحد أسس بناء المجتمعات كما ورد في سورة الماعون؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما العنصر الثالث فلا يقل أهمية عما تقدم، وهو إصلاح الظاهر والباطن. نجد ذلك في السورة الكريمة فيما يتعلق بالتكذيب بالدين في أول آية، ربنا جل وعلا يقول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، والصورة المقابلة إنما هي صورة الذي يصدق بالدين، وكان التكذيب بأعمال ظاهرة: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، يدعه وينهره بأغلاظ وقسوة وعنف، وهذا صنف يتصل بالأقوال: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، هذه أعمال ظاهرة. ثم ننتقل إلى صنف آخر يتصل بالصلة بالله تبارك وتعالى، وهو عمل ظاهر أيضًا، لكن مناط هذا العمل الظاهر إنما هو الباطن، فربنا جل وعلا يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، هذا عمل ظاهر، وهم مع ذلك ساهون عنه، ثم بيَّن أن منشأ الفساد في هذا إنما هو خلل باطني فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. فدلت هذه السورة الكريمة على أن إصلاح الظاهر مطلوب، لكنه لا بد أن يؤسَّس على إصلاح الباطن. والحقيقة أن هذه القضية هي التي دفعت بالمجتمعات بل بالحضارات إلى الهُوِيّ؛ لأن ما يستبد بدواخل هذه النفوس من الجشع والطمع والاستبداد وحب التملك والأثرة والتغالب والتنافس على المظاهر، وما يلي ذلك أيضًا من الإسراف والتبذير والتكاثر والتكثر والجشع والدوس على حقوق الآخرين: أدواء قلبية استبدت بالنفوس فتملكتها، فصاغت لها حركتها ومشاريعها وخططها وتنميتها للأموال ونظرتها للآخرين ونظرتها لمجتمعاتها وأوطانها. ازدهرت فترة لكنها ما لبثت أن انهارت، وهذا ما يحصل في عالم اليوم؛ لأنه قد يدعي البعض أن العناية بالمظاهر المتعلقة ببناء المجتمعات أمر كاف لقوة هذه المجتمعات ولتماسكها، لكن هذا بحسب المنهج القرآني غير صحيح، بل إن التجربة التاريخية الإنسانية تشهد أيضًا ببطلان هذه الدعوى. لأن أعظم ما رُزِئ به الناس هو تملُّك أدواء القلوب هذه لمن كانت لهم سلطة أو لمن كانوا في موضع التأثير والقوة والغلبة، فآثروا مصالح أنفسهم واتبعوا الجشع والطمع، ووطئوا بأقدامهم على حقوق الآخرين، وازدادوا تنافسًا على حطام هذه الحياة الدنيا، وانغمسوا في مظاهرها إرضاءً لنهم هذه النفوس ولنزواتها، فآل الحال إلى زوال هذه المجتمعات وإلى انهيارها. ولذلك فإن هذه السورة الكريمة –كما نجد أيضًا في آيات أخرى وفي سور أخرى في الكتاب العزيز– تنبِّه إلى هذا المعنى الدقيق، ونأسف أن يغفل المسلمون عن هذا المعنى القوي المؤثر الفاعل في حركتهم إن أرادوا رشدًا لأوطانهم ومجتمعاتهم؛ لأنهم ما أُتوا إلا من قِبَل الخلل في الباطن. فهذا هو المعنى الأبعد، المعنى الأعمق المتصل ببناء المجتمعات، وهذا لا يتحصَّل إلا بتزكية هذه النفوس، وبتوثيق الصلة بالله تبارك وتعالى، بتنقية الباطن من الرياء وحب المظاهر؛ ولذلك ركزت هذه الآية على هذا المعنى بأن تكون الصورة المقابلة أيضًا هي صورة ذلك الذي يبتغي ما عند الله عز وجل، يفعل الصلاح والإصلاح من باب المبدأ الذي يلتزم به، لا إيثارًا لمصلحة دنيوية آنية يتوخاها، فيكون ذلك أشبه بالألاعيب التي يلعبها من لم يصلح باطنه؛ فإنه يمكن أن يُظهر عملًا صالحًا، يمكن أن يظهر ما فيه بناء لمجتمع أو لوطن في وقت من الأوقات، لكنه ما يلبث أن يزول عنه ويتحول إلى نقيضه؛ لأن باطنه فاسد، ما ابتغى من ذلك قصدًا مشروعًا، وهو ما نعرفه بالإخلاص لله تبارك وتعالى، وإنما ابتغى مصالح دنيوية لنفسه ولذاته، فلا تعنيه مصالح الآخرين، ولا يلتفت إلى عواقب هذا الفعل أو عواقب هذا المسعى، ولذلك فإن هذا الخلل الذي أصاب هذه القلوب هو الذي أدى إلى انهيار كثير من المجتمعات. وحتى أربط بين هذا المعنى وآيات أخرى في كتاب الله عز وجل نجد أن سليمان عليه السلام، وقد أوتي من بسطة الملك والحكم ما لا مزيد عليه، فإنه حينما مرَّ على وادي النمل وسمع قول النملة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، فتبسَّم ضاحكًا من قولها، هنا استبشر بنعمة الله عز وجل عليه، ماذا كانت النتيجة؟ لأن هذا المقام مقام النبوة، وهو في موضع الاتساع والاقتداء، يلفت أنظارنا هذا السياق إلى هذه المعاني الرائعة التي تتصل بالنفوس: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. كيف يقول: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾؟! كان يكفيه –لو كان في غير كتاب الله عز وجل– أن يقول: "وأن أعمل صالحًا"، لكن هذا العمل الصالح قد يكون ظاهره صالحًا، لكنه إن كان مشوبًا بشيء من النوايا التي لا ترضي الله تبارك وتعالى أو من مقاصد السوء فإنه لا عِبرة به، ولذلك قال: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. وكذا الحال بالنسبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو في محراب التبتل والدعاء، يقول: «اللهم أصلح لي ديني»؛ هو الذي يبلِّغ الدين عن ربه تبارك وتعالى، ومنه يؤخذ هذا الدين، ومنه يُتلقى كتاب الله عز وجل، ومع ذلك يقول: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وآخرتي التي إليها معادي». وربنا جل وعلا يقول عن ملة إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فآيات الكتاب العزيز كلها تدور حول العناية بهذا الجانب؛ لأن العمارة الصحيحة لهذه الحياة الدنيا لا تكون إلا به: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ومع ذلك فإن هذا أيضًا لا يقطع المسلم –فردًا أو جماعة أو مجتمعًا أو وطنًا– عن حقيقة هذه الحياة الدنيا؛ فإن صلاح الظاهر ليس دعوى يدعيها المرء، وإنما هو عمل يظهر في واقع حياة الناس، وظهور هذا العمل إنما يكون بالصلاح والإصلاح والعمارة، والسعي إلى نشر الفضيلة والإحسان بكل أنواعه وصنوفه، الذي أرست ميزانه سورة الماعون بكل وضوح وجلاء، والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

#سؤال_أهل_الذكر | منهج القرآن في بناء المجتمعات | الأحد 6 أكتوبر 2019م

الطهاراتمسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

معنى إصلاح الظاهر والباطن

2 👁

ما معنى إصلاح الظاهر والباطن كأحد أسس بناء المجتمعات، وكيف دلت عليه سورة الماعون؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦‏/١٠‏/٢٠١٩

العناية بالقليل والكثير

2 👁

ما المقصود بالعناية بالقليل والكثير كركن في بناء المجتمعات، وكيف يبينه قوله تعالى: ويمنعون الماعون؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦‏/١٠‏/٢٠١٩

دور الفرد والمجتمع

2 👁

كيف يعرض القرآن الكريم دور الفرد في بناء المجتمع، وكيف يلتفت المجتمع أيضاً لهذا الفرد في منهج الإصلاح؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/٩‏/٢٠١٩

صلة الله والعباد

3 👁

كيف تكون الصلة بالله تعالى المرتبطة بالصلة بالعباد أداة لبناء المجتمع كما عرضتها سورة الماعون؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/٩‏/٢٠١٩

صلة الله والعباد

2 👁

كيف تكون الصلة بالله تعالى المرتبطة بالصلة بالعباد أداة لبناء المجتمع كما عرضتها سورة الماعون؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

معنى بناء المجتمع

2 👁

ما المقصود بمصطلح بناء المجتمع عندما نتحدث عنه في سياق القرآن والبرنامج؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠