⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أحسنتم، وهذه مسألة مهمة، مع أن الجواب فيها –في ظني– واضح جلي.
أولا: هذا هو خطاب الله سبحانه وتعالى لعباده جميعا، هذا خطاب رباني دُعي إليه هذا الإنسان؛ فكل بني البشر مدعوون إلى الاستجابة إلى هذا النداء الرباني، وإلى تحقيق دعوة الله سبحانه وتعالى لخلقه جميعا بأن يهتدوا بالصراط المستقيم، وبالتالي فهو صالح لبني البشر جميعا.
وأما ما تشيرون إليه من مسألة أننا نجد مجتمعات قد لا تكون مؤمنة بالله عز وجل، إلا أن بينها روابط اجتماعية، فإن مُردَّ ذلك إلى أنهم –مع فقدانهم للبعد الإيماني– إلا أنهم اضطروا إلى أن يعوضوا ذلك بمنظومة من الحقوق تُصاغ في صياغات قانونية يجتهدون فيها، ويعملون فيها عقولهم، ويسعون قدر المستطاع إلى أن تكون هذه البنية الحقوقية القانونية هي التي تورث الناس في تلك المجتمعات ما يحفظ لهم الروابط الاجتماعية.
نعم، لكنهم مع هذا الجهد البشري الذي بذلوه، ومع حرصهم على أن تكون مُطَّرَدة بأطر حقوقية وأطر قانونية، سواء كان ذلك في مستوياتها الاجتماعية، أو كان ذلك في مستوياتها المعيشية الاقتصادية المالية، إلا أن هناك محاولات جادة، وهي –لا ريب– تستهلك الكثير من الجهد والوقت، وكان يمكن أن يُوفَّر الكثير من الجهد حينما تُؤسَّس على أسس من الإيمان الراسخ بالله تبارك وتعالى واليوم الآخر.
ولكن مع ذلك فإنها لم تصل ولن تصل إلى المستويات التي أرساهـا هذا الدين الحنيف، بدليل أنك تجد الكثير من القطيعة بين الناس، وأن تلك العلاقات ما قامت إلا على المصالح، فحينما تكون هناك مصالح متبادلة فإنه يمكن أن توجد هذه الروابط، هذا في العموم الأغلب، لا ننظر إلى الحالات الشاذة أو النادرة أو الاستثناءات، وهم بأنفسهم يصرحون بذلك.
فمع كثرة الجهود التي بُذلت لأجل إرساء منظومة من العلاقات الاجتماعية المتينة، إلا أن تلك الجهود جميعا باءت بالفشل، وحافظت على قدر يسير –وإن بدا للناس– إلا أنها قامت على أسس من المصالح.
فرغبة هؤلاء –ذوي الثقافة المختلفة، والذين ينتسبون إلى مِلَل عديدة– في أن يحفظوا وحدة مجتمعهم رغبة طاغية، وأن يحفظوا قوتهم أيضا هي لأسباب مادية دنيوية، وهي معتبرة شرعا، هذه من نواميس الله سبحانه وتعالى في الكون، ومن سننه في الخلق، إلا أنهم ما استطاعوا أن يصلوا إلى ما أرْساه هذا الدين.
ولهذا فإن بعض المفكرين، بعض الكُتَّاب الفرنسيين ذكر عما كان عليه حال الناس في أوروبا لما كان المسلمون في الأندلس، فقال: لو لم تقم الحروب الصليبية على هؤلاء المسلمين –ينظر من منظور اجتماعي بحت– لكانت أوروبا قد تجنبت ما يُعرف عندهم بالعصور المظلمة وهي العصور الوسطى، ولتجنبوا تأخُّر ثمانية قرون، ولَلَحِقوا بركب الحضارة الإسلامية، الحضارة الإنسانية التي بناها المسلمون، ولذلك هو يَعُضُّ على هذه الحروب وصرح بهذا الكلام ونشره.
وفي كلام غيره أيضا من الكتّاب والدراسات والتحليل ما يؤكد هذا، لأنهم الآن حتى حينما حصلت الأزمة المالية الماضية وجدنا أن كثيرا من العاملين في القطاعات المصرفية، والمعنيين بالمال وإدارة الأموال في المجتمعات الأوروبية يقصدون كثيرا من المفكرين والعلماء المسلمين والمتخصصين في المجال الاقتصادي، يستفيدون من تجارب المسلمين، يستفيدون مما هو موجود في تشريعات هذا الدين.
وعند مناقشتهم عن أسباب تخلفهم كانوا يصرحون بأن النظرة أو الأسس التي بُنيت عليها الروابط الاجتماعية إنما كانت مصالح دنيوية مادية مالية بحتة، ولذلك حصل ما حصل من التشرذم، ومن الشتات، ومن تهاوي كثير من البنى الاجتماعية التي كانت قائمة على ما يُظن أنه روابط اجتماعية، لكنها ما كانت أكثر من مصالح دنيوية أو مصالح مادية آنية.