⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
كثيرا ما تكون القوانين أمورا نظرية يعوزها التطبيق، والإسلام ما جاء بالنظرية، ما جاء بالتنظير، وإنما جاء بالتطبيق؛ فالإسلام كما ترون جعل العدل حقا لجميع الناس من غير تفريق بينهم.
حذر أيما تحذير من أي انحراف عن النهج الصحيح، نهج العدل في التعامل مع أي أحد؛ قريبا كان أو بعيدا، بغيضا كان أو حبيبا؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]، ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
نرى كيف أن الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة يمنع من أن يخضع الإنسان لعواطفه الجياشة في تعامله مع الأقربين أو مع الأبعدين؛ فلا يؤثر قريبا لقربه، ولا يقدم حبيبا على بغيض، وكذلك لا يبعد بعيدا لبعده، ولا يبغض بغيضا لبغضه، وإنما يترك خطي الحب والبغض في جانب، وإنما يقوم مقام العدالة؛ هذه قضية ليست فيها قرابة قريب ولا محبة حبيب، ولا مراعاة لبعد بعيد أو بغض بغيض، وإنما كل الأمر أن يطبق القول الحق والميزان القسط.
فإذا هذه من الأمور التي يجب أن نلاحظها ويجب أن ندركها في ديننا الحنيف.
وعندما وقعت سرقة في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في عهده عليه أفضل الصلاة والسلام، سرقت درع، وألقيت هذه الدرع بعد ما خاف السارق أن يفتضح، وخاف ذووه أن يفتضحوا بفضيحته، أرادوا أن يلقوا باللائمة على غيره، فاتهموا يهوديا من اليهود، ووضعوا هذه الدرع في مكان يختفي به حتى تظن ظنون الناس أن هذا اليهودي هو الذي سرق هذه الدرع؛ جاء المتهمون بهذا الاتهام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا اليهودي، وهو لم يكن من قومهم، ولم يكن من ملتهم، ولم يكن من حزبهم، وإنما كان من غيرهم، فلئن حكم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن تلك مفخرة لهم.
فلما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهروا براءة هذا المتهم الحقيقي، واتهام ذلك اليهودي، كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يميل إلى قولهم؛ لأن ظاهر القول يوحي بذلك، ولأن الظن قد يسري في النفس، ولكن الله تبارك وتعالى سدده بوحي؛ النبي صلى الله عليه وسلم كان متأثرا من كلام هؤلاء الناس، وكاد يؤاخذ اليهودي بما ظهر من السرقة في بيته، وإذا بالقرآن ينزل يتلى في الصلوات وفي غيرها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 105-107]، إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112]، إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113].
هذا كله لأجل تبرئة يهودي، هذا الدليل على أن المبادئ في الإسلام تطبق، ولا تكون في عالم التنظير فحسب، وإنما تخرج من التنظير إلى التطبيق ومن المثالية إلى الواقع.