⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا السؤال مسألتان أو قضيتان:
القضية الأولى: ما يتعلق بتوهم أن الجنين قبل الأربعين، أو 42 يوما، أو المئة والعشرين يوما لا حق له في هذه الحياة، وأنه يمكن أن يُجهَض، أن يُسقط، بناء على رغبة الوالدين أو أحدهما بدعوى أن الروح لم تُنفَخ فيه، وسنأتي على هذه القضية، ثم نأتي على القضية الثانية، وهي مسألة أن توجد ضرورة داعية إلى الإجراء، كما هو الجزء الأخير من السؤال.
أما المسألة الأولى: فليس في شرع الله تبارك وتعالى ما يميز في الحقوق بين أحوال الجنين قبل نفخ الروح فيه وبعد نفخها؛ هذا أمر غيبي، والأدلة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تتحدث عن نفخ الروح محتملة لوجهين: محتملة أن تكون المدة في الأربعين نفسها، ومحتملة أن تكون أربعين بعد أربعين بعد أربعين فيكون المجموع مئةً وعشرين يوما، لكن هذا لا صلة له بحق هذا الجنين في الحياة؛ إذ إن الأحكام الشرعية المتعلقة بالحمل لم تُميز أبدا –لا في قليل ولا في كثير– بين مدة حمل وأخرى، وبين حالة جنين وأخرى.
فالمرأة الحامل يمكن لها أن تترك واجبا شرعيا من نحو الصيام إذا خافت على نفسها أو خافت على جنينها، بقطع النظر عن عمر هذا الجنين.
يثبت لهذا الجنين الإيصاء والحقوق المالية بمجرد العلم بوجوده، بقطع النظر عن مدة الحمل، ويستحقها بالولادة؛ نعم، له –كما يقول الفقهاء– أهلية ناقصة، فحياته ليست حياة تكليف، لكن لهذه الأبواب كانت له أهلية ناقصة.
إن ثبت على المرأة الحامل حدُّ قتلٍ –على سبيل المثال– أو حدٌّ آخر فإنه يُرجأ ويؤجل تنفيذه مراعاة لهذا الحمل الذي يكون في أحشائها ولو كان قبل أربعين يوما، طالما علم أن بها حملا، وهذا حد شرعي فإنه يؤجل، والأدلة الشرعية متضافرة على ذلك.
إذا اعتدى أحد على هذه المرأة فأملصت –كما في قصة المرأتين من هذيل التي رمت إحداهما الأخرى فأملصت أي أسقطت جنينها– لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمر هذا الجنين حتى رتب عليها الحكم الشرعي من العقوبة والدية، نعم.
فلا علاقة في شيء من هذه الأحكام الشرعية لعمر هذا الجنين، وهل نُفخت فيه الروح أو لم تُنفخ فيه الروح؛ هذه بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالحمل، ولا التفات فيها أبدا لعمر هذا الجنين ولا لمسألة نفخ الروح.
الآن نأتي إلى المسألة الأخرى: فمن هذا الذي يملك هذا –يعني نفس بشرية نامية– هو ليس ملكا لأحد، ليس ملكا لوالديه وليس ملكا لأمه ولا لأبيه، يظنُّ ظانٌّ أن له أن يتخلص منه؛ حق الحياة ثابت له، وهو نعمة من نعم الله تبارك وتعالى؛ فلا حق لأحد في أن يقرر في شأنه: هل يبقى أو يُجهَض.
بقي أن هناك بعض الأحوال، ومنها ما أشار إليه الجزء الأخير من السؤال، وهي القضية الثانية: أن يُخشى على الأم نفسها، بأن كان في بقاء هذا الجنين هلاكا لها، أو تلفا كليا أو جزئيا؛ فهنا اختلف أهل العلم، فمنهم من قال بأن حياة الأم مقدَّمة؛ لأنها هي الأصل، ولأنها معلومة يقينا، أما حياة الجنين عندهم مظنونة –ولا يقصدون بالظن الإشارات التي تدل على حياته، وإنما أن يولد حيا، وأن يبقى في رحم أمه حيا إلى أن يولد– ولذلك قدموا حياة الأم؛ لأنها حياة كاملة، وهذه نفس دون نفس كما يقال، وهذا هو مذهب أكثر العلماء.
ومع ذلك وُجد من قال بأنه تستوي الحياتان، وحينئذ فإنهم يمتنعون عن إجازة الإجهاض في مثل هذه الصور، لكن القول الأول –وهو جواز الإجهاض إذا خيف على الأم الهلاك أو التلف، ولم يمكن بوجه من الوجوه إنقاذٌ مبكرٌ لهذا الجنين أو أن تُعالَج هذه الأم– فإن هذه الحالة إنما هي حالة ضرورة تُقدَّر بقدرها، وتستثنى من الأصل العام.
والله تعالى أعلم.