⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الصبر لا يلزم أن يكون الصبر على شيءٍ فقط؛ يعني يمكن – كما يقسم عموم الناس – أن الصبر هو صبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية، وصبرٌ في المقدور الذي كتبه الله تبارك وتعالى، نعم، وهو تقسيم حسن لا بأس به، وإن كنت أجد أن في كتاب الله عز وجل تقسيمًا آخر لا ريب أنه أبلغ وأحكم؛ فالله تبارك وتعالى في آية البر قال: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾، هذه أنواع الصبر التي أُجمِل ذكرها في هذه الآية الكريمة، ثم طوى بعد ذلك نشرها فيما تلا آية البر من سورة البقرة، لكن ليس هذا هو المحل الذي نتحدث عنه.
الذي يريد أن ينجو قد تضعف نفسه، وقد يصيبه شيء من اليأس، أو شيء من الفتور، قد لا يجد من يعينه عمليًا، قد تستبد به الكثير من أسباب الوهن والضعف، فما لم يوجد من يبعث في نفسه الرجاء، ويجدِّد له الأمل، ويحفِّز له ملكات نفسه للأخذ بأسباب النجاة، فإنه قد يفشل؛ ولذلك كان التواصي بالصبر خاتمة هذه الخصال الأربع المذكورة في هذه الآية الكريمة، حتى لا يستبد يأسٌ أو قنوطٌ أو تعجُّلٌ ببلوغ الغاية دون رؤية بوارق رجاءٍ وأمل؛ فإنه لا بد من الصبر، فمع الصبر يكون الظفر.
ما من عملٍ في هذه الحياة الدنيا إلا وله مراحل، مقدمات، ثم بعد ذلك تأتي النتائج، فحتى يستوفي هذه المقدمات تكون هذه النتائج، ومن أخذ بالأسباب فإن الله تبارك وتعالى تكفّل له بالنتائج، ولذلك كان لا بد من التواصي بالصبر.
والصبر في هذا السياق له معنى لطيف أشرتم إليه في سؤال سابق، وهذا السؤال غاية هذه اللطيفة غايةٌ في الأهمية في ما نحن بصدده الآن؛ لأن الذي يمكن أن يصيب الناس بالغواية والبعد عن بلوغ مقصودهم أيضًا كوامن النفس: الشهوات؛ نعم، الرغبة في الثروة، الرغبة في الجاه، الرغبة في الصدارة، أم الكثير من الأدواء القلبية والأمراض النفسية التي تُصيب بني البشر: الرياء، السُّمعة، النفاق – والعياذ بالله – التغلب، السطوة على الآخرين؛ ولذلك كان العلاج الناجع التواصي بالصبر؛ لأن هذه الشهوات لا بد أن تحمل النفوس على الصبر عنها، وأن يُستعاض من ذلك بالصبر على طاعة الله عز وجل، على ما فيه الخير والبر والمعروف والإحسان والعدل والقِسط للنفس وللناس جميعًا.
فهنا تكمن أهمية ذكر الصبر بهذا المعنى، ولذلك ارتبط الحق بالصبر، وأُكِّد بالفعل وبحرف الجر، في غير كتاب الله عز وجل كان يمكن أن يُقال: وتواصوا بالحق والصبر؛ الجملة لغويًا صحيحة تمامًا، ونحن نعرف أن – كما يُقال – البلاغة الإيجاز، فلا حاجة إلى ذكر ما يمكن أن يُستغنى عنه ما لم تكن الفائدة أعظم بالذكر… ولذلك أُكِّد الفعل وحرف الجر حتى لا يقلِّل أحد من أهمية التواصي بالصبر، فلأن كان الذي يصرف الناس عن بلوغ إيمانهم وعملهم الصالح ما يمكن أن يُصيبهم من شبهاتٍ أو يُغويهم من شهوات؛ فإن سبيل مواجهة ذلك – فيما يتعلق بالشبهات – بالتواصي بالحق، وكذلك فإن سبيل ذلك – فيما يتعلق بالغواية من الشهوات – إنما يكون بالصبر، بالتواصي بالصبر.