⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ليست الهجرة احتفالا، وإنما الهجرة حدث تاريخي فارق في تاريخ هذه الأمة الإسلامية وفي تاريخ الإنسانية جمعاء، ولذلك فإن إحياء هذه الذكرى المتجددة بأخذ الدروس والعظات، واستلهام العبر والحكم والأحكام أمر بالغ الأهمية للمسلمين.
وذلك لأن هذه الحادثة، حادثة الهجرة، كانت علامة فارقة؛ إذ بهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة مع أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم تغير تاريخ الحياة؛ فتلك القلة المستضعفة المعذبة المضطهدة في المجتمع المكي تحولت من مرحلة دعوة فقط إلى مرحلة تأسيس دولة.
وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما صابرا محتسبا، صبر معه أصحابه الكرام رضوان الله عز وجل عليهم، احتملوا التعذيب والاضطهاد والظلم في أنفسهم وفي أموالهم وأولادهم وأعراضهم، حتى آذن الله تبارك وتعالى تلك النفوس التي صيغت صياغة ربانية في مدرسة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن تنطلق إلى متنفس جديد لحمل رسالة الحق إلى العالمين، ولنشر رسالة السلم والسلام والرحمة والهدى إلى آفاق رحبة جديدة، وهذا ما حصل.
ولذلك فإن كثيرا من المحبطين اليوم هم بحاجة إلى أن يتأملوا في دروس الهجرة؛ نجد أن كثيرا من شباب المسلمين اليوم –للأسف الشديد– تأسرهم ظواهر الأحداث والمصاعب التي تمر بها أمتهم، والتهم التي تكال على دينهم، فيورثهم ذلك قدرا غير يسير من اليأس والقنوط؛ هؤلاء هم أشد الناس حاجة إلى أن يتأملوا في حادثة الهجرة.
لم يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع صاحبه أبي بكر، وقد وصف ربنا تبارك وتعالى ما الذي كان يمكر به أعداء هذا الدين وأعداء محمد صلى الله عليه وسلم حينما قال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].
وحينما كان صلى الله عليه وسلم في الغار عليه الصلاة والسلام، وكانت حشود الظلم والطغيان تبحث عنه في كل مكان حتى وصلت إلى فم الغار، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، وهذا ما نجده في كتاب الله عز وجل حينما قال: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾… إلى قوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
هذه المعية المذكورة في هذه الآية الكريمة هي باعث آخر بعد تحقق أن هذه الحادثة هي نصر من عند الله عز وجل؛ فإن هذه المعيّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه، التي نصت عليها الآية الكريمة: لا تحزن إن الله معنا، هي معية للذوات، فهي ليست لسبب آخر؛ فربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]، هذه المعيّة مسببة، فسببها التقوى والإحسان، أما هذه المعيّة في هذه الآية الكريمة فهي لذوات هذين الصاحبين وهما في الغار.
وفي هذا ما يبعث الأمل ويجدد في نفس المؤمن أن الأسباب كلها بيد الله تبارك وتعالى؛ ما عليه إلا أن يطيع ويمتثل لأمر ربه جل وعلا، وأن يثق في نصره وفي وعده سبحانه وتعالى، فمع أخذه بهذه الأسباب يأتي المدد من الله تبارك وتعالى.
فلذلك كانت حادثة الهجرة سببا ليؤرخ المسلمون بها تقويمهم؛ فحينما تشاور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عما يمكن أن يُسندوا إليه تاريخهم ما وجدوا حدثا أفضل من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يكون مرجعا لتاريخهم.
ولا ريب أن من العلماء من يقول: إن القرآن الكريم يشير إلى ذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108]، قالوا: إن أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم استشفوا، استأنسوا من هذه الآية الكريمة، مع علمهم وإدراكهم لكون الهجرة مرحلة فاصلة؛ انتقلوا بها من مجرد مرحلة دعوة إلى مرحلة دعوة وتأسيس دولة، مرحلة دعوة بفتح آفاق جديدة حيث تسامحت بهم القبائل، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جوارا وحماية من الأنصار في المدينة المنورة، وبدأ يتعامل مع غير المسلمين من سكان المدينة من اليهود ومن الأعراب المشركين، يتعامل معهم تعامل القائد، تعامل رئيس الدولة، وهم يشكلون نواة دولة جديدة.
وهذه من الدروس والعظات التي يمكن أن نتعرض لها، وإنما محل الجواب الآن في أهمية الهجرة ومنزلتها لواقعنا المعاصر اليوم.